و شَرعَ فِيهِ الدِّينَ لِعِبَادِهِ عُذراً وَنُذراً « 1 » ، لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعدَ الرُّسُلِ ، وَيَكُونُ بَلاغاً لِقَومٍ عابِدِينَ ، فَبَلَّغَ رِسالَتَهُ ، وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ ، وَعَبَدَهُ حَتَّى أَتاهُ اليَقِينُ « 2 » ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَآلهِ وَسَلَّمَ تَسلِيماً كَثِيراً .
أُوصِيكُم عِبادَ اللَّهِ ، وَأُوصِي نَفسِي بِتَقوَى اللَّهِ الَّذِي ابتَدَءَ الأُمُورَ بِعِلمِهِ ، وَإِلَيهِ يَصِيرُ غَداً مِيعادُها ، وَبِيَدِهِ فَناؤُها وَفَناؤُكُم ، وَتَصَرُّمُ « 3 » أَيَّامِكُم ، وَفَنَاءُ آجالِكُم وَانقِطاعُ مُدَّتِكُم ، فَكَأَن قَد زالَت عَن قَلِيلٍ عَنَّا وَعَنكُم كَما زالَت عَمَّن كَانَ قَبلَكُم !
فَاجعَلُوا - عِبادَ اللَّهِ - اجتِهادَكُم فِي هَذِهِ الدُّنيا التَّزَوُّدَ مِن يَومِهَا القَصِيرِ لِيَومِ الآخِرَةِ الطَّوِيلِ ، فَإِنَّها دارُ عَمَلٍ ، وَالآخِرَةُ دارُ القَرارِ وَالجَزاءِ ، فَتَجافُوا عَنها « 4 » فَإِنَّ المغتَرَّ مَنِ اغتَرَّ بِها .
لَن تَعدُو « 5 » الدُّنيا إِذا تَناهَت إِلَيها أُمنِيَّةُ أَهلِ الرَّغبَةِ فِيها - المُحِبِّينَ لَها المُطمَئِنِّينَ إِلَيها المَفتُونِينَ بِها - أَن تَكُونَ كَما قَالَ اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ :
« كَماءٍ أَنزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ ، فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعامُ الآية » « 6 » .
مَعَ أنَّهُ لَم يُصِب امرُؤٌ مِنكُم فِي هَذِهِ الدُّنيا حَبرَةً « 7 » إِلَّا أَورَثَتهُ عَبرَةً ! « 8 »
هامش
( 1 ) - عذراً و نذراً : أي حجّة و تخويفاً او إعذاراً و إنذاراً أي تخويفاً و وعيداً و في الآية الشريفة : عذراً أونذراً - المرسلات : 6 . .
( 2 ) - اليقين : الموت . .
( 3 ) - التصرّم : التقطع . .
( 4 ) - فتجافوا عنها : اتركوها و ابعدوا عنها . .
( 5 ) - لن تعدو : لن تتجاوز . .
( 6 ) - يونس : 24 . .
( 7 ) - الحَبرة : النعمَة وسعة العيش . .
( 8 ) - العَبرة : الدمعة قبل أن تفيض أو الحزن بلا بكاءٍ . .