الباطن ، ومن ثم كان اجتهاد " عبد الرحمن " و " عثمان " نظرا ، على حين أصاب
" علي في اجتهاده " لما خرج من ورطة إقامة الحجة على نفسه فيما هو مغيب من
الأمور عنه .
واجتهدت " عائشة " فأيدت " عثمان " ثم خرجت عليه فكان في اجتهادها
نظر ، بينما اطمأن " علي " إلى مبدئه بعد أن أقام الحجة على منافسه ، فلم يخرج
على " عثمان " خروج " عائشة " عليه .
واجتهد " علي " بعد مقتل عثمان ، فلم يقبل من طلحة والزبير المبايعة له
إلا أمام الناس وباجماع المسلمين في المسجد . فقام وخطب الناس :
" إني قد كنت كارها لامركم فأبيتم إلا أن أكون عليكم . ألا وإنه ليس لي
أمر دونكم ، ألا إن مفاتيح مالكم معي . ألا وإنه ليس لي أن آخذ من درهم
دونكم ، . . ثم قال : أرضيتم ؟ قالوا : نعم .
قال : اللهم اشهد عليهم . ثم قبل بيعتهم على ذلك " ( 18 ) .
وهكذا أقام " علي " الحجة عليهم ، وأصاب فيما اجتهد فيه حين برأ منهم
الذمة وأصبح مطلوبا لهذا الامر لا طالبا له .
فكل من خالفه بعد هذه الخطبة ناكث ، وكل من حافظ على بيعته له
مؤمن صادق الايمان . وذلك اجتهاد لا يعادله اجتهاد صدقا وإخلاصا ونزاهة
عما في بيت المال ، وعما في أيدي المسلمين .
ثم اجتهدت " عائشة " مرة ثانية حين طالبت بدم عثمان وخرجت في
صحبة طلحة والزبير اللذين نكثا العهد ، ونقضا البيعة لعلي ، فأخطأت
الاجتهاد حتى قيل أنها ما خرجت للمطالبة ، بدم عثمان إلا لتفرقة الجماعة
الاسلامية حول علي ، ولو كانت البيعة لغير علي ما خرجت . وأصاب علي
حين لم ينكث عهده ونكث هؤلاء عهودهم ، وأصاب حين دفع عن نفسه في
موقعة الجمل لا باعتباره " عليا " بل باعتباره خليفة المسلمين والذائد عن
هامش
( 18 ) ابن جرير الطبري " تاريخ الأمم والملوك " 5 / 152 153 .