ولما نادى ابن العاص يوم صفين بأبيات قال فيها :
( ردوا علينا شيخنا كما كان )
فأجابه أهل العراق :
أبت سيوف مذحج وهمدان * بأن ترد نعثلا كما كان
ثم نادى عمرو بن العاص ثانية : ( ردوا علينا شيخنا ثم بجل ) .
فرد عليه أهل العراق : ( كيف نرد نعثلا وقد قحل ) ( 109 ) .
أفتت أم المؤمنين بقتل الخليفة ، وإذا كان هناك أمل ضئيل قبل هذه
الفتيا في الاصلاح بين المسلمين والخليفة يقوم به علي أو غيره ، فقد وقعت
الواقعة بعد صدور هذه الفتوى الصريحة ، وانطلاقها من فم أم المؤمنين ،
وقضي الامر .
وذلك لما بلغت إليه أم المؤمنين منذ عهد الخليفتين من مكانة مرموقة بين
المسلمين بما كانا يعظمانها في كل شئ ويرجعان إليها في الفتيا ، وزاد في تأثير
فتياها صدورها في أوانها حيث بلغ السيل الزبى والحزام الطبيين ( 110 ) . وبعد
حصول الانشقاق بين الأسرة الحاكمة من آل أمية في البلاد وأفراد المسلمين
بطبقاتهم كافة مما أوردنا بعضا منها وأعرضنا عن ذكر أكثرها روما لاختصار .
وبعد هذه الفتيا والتي كانت الجماهير الاسلامية من الصحابة وغيرهم قد
صممت على تنفيذها ، لم يبق أمام أحد مجال إلا في طريقين : الاعتزال أو
القتال . والقتال إما في صف الخليفة المحاصر من قبل الجماهير وإما في صف
الجماهير الهادرة الثائرة . فاختار على وسعد من أهل الشورى الاعتزال ، وطلحة
والزبير القتال في صف الجماهير .
انتشرت على الأفواه كلمة أم المؤمنين : " اقتلوا نعثلا " فقالها غيرها لما كانوا
هامش
( 109 ) صفين لنصر بن مزاحم 256 و 257 و 454 ، وابن أبي الحديد 1 / 482 وثم بجل أي
ثم حسب . وقد قحل أي قد يبس .
( 110 ) قال ابن الأثير في النهاية وفي حديث عثمان ( رض ) : أما بعد فقد بلغ السيل الزبى .