ومهوى أفئدة العبّاد المتزلّفين لربّ العالمين .
فكما أنّ الملائكة تأتي كلّ صباح ومساء مستأذنة المعبود لزيارة الكعبة والمرقد النبويّ الشريف ، والتسليم عليه صلى الله عليه وآله « 1 » ؛ فإنّ الزائر يدخل هذا المكان المشرَّف ليلتقي بمراده ومعشوقه ، ويرتشف من منبع الفيض الإلهي كأساً يروي بها روحَه .
قال القاضي عياض « 2 » :
وجدير لمواطن عمِّرت بالوحي والتنزيل ، وتردّد بها جبريل وميكائيل ، وعرجت منها الملائكة والروح ، وضجّت عرصاتها بالتقديس والتسبيح ، واشتملت تربتها على جسد سيد البشر ، وانتشر عنها من دين اللَّه وسنّة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ما انتشر ، مدارس آيات ، ومساجد صلوات ، ومشاهد الفضائل والخيرات ، ومعاهد البراهين والمعجزات ، ومناسك الدين ، ومشاعر المسلمين ، ومواقف سيّد المرسلين ، ومُتبوَّأ خاتم النبيّين صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم وعلى عترته أجمعين ، حيث انفجرت النبوّة ، وأين فاض عُبابها « 3 » ؛ ومواطن مهبط الرسالة ، وأوّل أرض مسَّ جلدَ المصطفى ترابُها ، أن تُعظَّم عرَصاتها ، وتُتَنسّم نفحاتها ، وتُقبَّل ربوعها وجدرانها .
يا دارَ خيرِ المرسَلين ومَنْ به * هدي الأنام وخُصَّ بالآياتِ
عِندي لِأجلِك لَوعةٌ « 4 » وصَبابةٌ « 5 » * وتشوُّقٌ متوقِّدُ الجَمَراتِ
وعلَيَّ عَهدٌ إنْ مَلأتُ محاجري * مِن تلكم الجدرانِ والعرَصاتِ
لأُعفِّرَنَّ مَصونَ شَيبي بينَها * مِن كَثرةِ التقبيلِ والرشَفاتِ
لولا العَوادي والأعادي زُرتُها * أبَداً ولو سَحباً علَى الوجَناتِ
هامش
( 1 ) - انظر ثواب الأعمال : 121 ح 46 ، وموسوعة زيارات المعصومين عليهم السلام : 1 / 46 رقم 99 .
( 2 ) - هو عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي ، أبو الفضل ( 476 - 544 ه / 1083 - 1149 م ) ؛ عالم المغرب ، وإمام أهل الحديث في وقته ، كان من أعلم الناس بكلام العرب وأنسابهم وأيامهم . . . من تصانيفه : الشفا بتعريف حقوق المصطفى ، و . . . « الأعلام للزركلي : 5 / 99 » .
( 3 ) - العباب : كثرة الماء والسيل . « المعجم الوسيط : 2 / 585 » .
( 4 ) - لاعه الهمّ والحزن والشوق : أحرقه . « المعجم الوسيط : 20 / 853 .
( 5 ) - الصبابت : الشوق ، وحرارته . انظر « المعجم الوسيط : 1 / 507 » .