أمّا الحديث الرابع : ( لعن اللَّه اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مسجداً ) :
فهذا الحديث - بعد غضّ النظر عن سنده واضطراب متنه - ليس فيه دلالة على ما توهّموه من عدم جواز الصلاة عند القبور وفي المشاهد وبناء المساجد عليها .
وإنّما المراد منه هو النهي عمّا كان يفعله بعض السابقين من الأمم من الصلاة إلى قبور الأنبياء والصُلحاء ، وإلى صورها الموضوعة في قبلة المُصلّي والسجود لها أو عليها ، تماماً كما يُصلّى إلى الوثن والصنم ويُسجد له .
ففي رواية البخاري ومسلم : أنّ أُم سلمة وأُم حبيبة ذكرتا كنيسة بأرض الحبشة . . .
فذكرتا من حُسنها وتصاوير فيها .
فقال صلى الله عليه وآله وسلم : أُولئك إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً ، ثمّ صوّروا فيه تلك الصورة ، أُولئك شرار الخلق عند اللَّه « 1 » .
فهذه الرواية مفسّرة للرواية التي أُطلق فيها لعن اليهود وغيرهم على اتّخاذ قبور أنبيائهم مساجد ، حيث كانوا يتّخذون على تلك القبور تمثالًا لصاحب القبر فيعبدونه من دون اللَّه . ويُرشد إلى ذلك ما في رواية : « ألا وإنّ من كان قبلكم كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ، ألا فلا تتّخذوا القبور مساجد ، إنّي أنهاكم عن ذلك » « 2 » .
ويدلّ على ذلك أيضاً ما رواه مالك : « اللهمّ لا تجعل قبري وثناً يُعبد » « 3 » .
قال القاضي عياض :
( وقوله : « يصلّوا إليها » أي لا تتّخذ قبلة ، وهذا مثل الحديث الآخر في النهي عن اتّخاذ قبره مسجداً ، وذمّ اليهود بما فعلوا من ذلك ، وكلّ ذلك لقطع الذريعة لئلّا يُعبد قبره ، ويعتقد الجهّال في الصلاة إليها وعليها تقرّباً بذلك ، كما كان الأصل في عبادة الأصنام ) « 4 » .
هامش
( 1 ) - صحيح البخاري : 2 / 114 ، صحيح مسلم : 2 / 66 .
( 2 ) - صحيح مسلم : 2 / 68 .
( 3 ) - الموطأ : 1 / 172 ح 85 .
( 4 ) - إكمال المعلم بفوائد مسلم : 3 / 441 .