وقد ذكر الحصني الدمشقي فتوىً أُخرى لابن تيمية شبيهة بهذه الفتوى ، وردّ عليها قائلًا :
« قوله : ( وقالوا لأنّ السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بِدعة لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين ، ولا أمر بها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ، ولا استحبّ ذلك أحد من أئمّة المسلمين ، فمن اعتقد ذلك عبادة وفعلها فهو مخالف للسنّة ولإجماع الامّة ) .
قلت : لمّا وقف بعض الأئمّة على هذا الكلام الباطل ، قال : ( هذا من البَهْت الصريح ) ، وصدق رضي اللَّه عنه لما أذكره ، وفيه أيضاً تدليس من الفجور .
وبيان التدليس قوله : ( قالوا ) ؛ فإنّه يوهم أنّ هذا الذي قاله لم يقله من عند نفسه ، وإنّما نقله عن أئمّة المسلمين وأنّه مجمع عليه .
وهذا شأنه يدلّس في الإغراء ليحمل الناس على عقيدته الفاسدة المفسدة ؛ لأنّه لو عزاه إلى نفسه لما انتظم له ذلك ؛ لعلم الحذّاق النقّاد بسوء فهمه وكثرة خلطه ممّا عرفوه منه في بحثه وتدوينه إذا انفرد .
فقوله : ( لأنّ السفر إلى قبور الأنبياء ) يشمل قبر الخليل والكليم وقبر النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وغيرهم . وقوله ( والصالحين ) يشمل قبور الصحابة رضياللَّه عنهم وغيرهم ، وهو مطالب بتصحيح ما عزاه إلى أئمّة المسلمين ، وأنّه مجمع عليه ، وهو لا يجد إلى ذلك سبيلًا ، بل المنقول خلاف ذلك كما تراه .
وقوله : ( إنّ السفر إلى قبور الأنبياء بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين ) هذا من الفجور والإفك المبين .
ولم تزل الناس على زيارة قبر الخليل والكليم وغيرهما في سائر الأعصار من جميع الأمصار .
وهذا بلال - مؤذّن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم - سافر من الشام إلى المدينة الشريفة لزيارة قبر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم .
موسوعة زيارات المعصومين ( ع ) — صفحة 278
مساهمون: مؤسسة الإمام الهادي ( ع )
ص٢٧٨