فلمّا مثل لي أسرعت إلى تلقّيه ، فأكببت عليه ألثم كلَّ جارحة منه ، فقال لي :
مرحباً بك يا أبا إسحاق ، لقد كانت الأيّام تعدني وَشَك لقائك ، والمَعاتب « 1 » بيني وبينك على تشاحط « 2 » الدَّار وتراخي المزار ، تتخيّل لي صورتك حتّى كأ نّا لم نخل طرفة عين من طيب المحادثة وخيال المشاهدة . وأنا أحمَد اللَّه ربّي وليَّ الحمد على ما قيّض من التلاقي ، ورفّه من كربة التنازع والاستشراف عن أحوالها متقدّمها ومتأخّرها .
فقلت : بأبي أنت وامّي ما زلت أفحص عن أمرك بلداً فبلداً منذ استأثر اللَّه بسيّدي أبي محمّد عليه السلام فاستغلق عليَّ ذلك ، حتّى منّ اللَّه عليَّ بمن أرشدني إليك ودلّني عليك ، والشكر للَّهعلى ما أوزعني « 3 » فيك من كريم اليد والطَّول .
ثمّ نسب نفسه وأخاه موسى . واعتزل بي ناحية ثمّ قال :
إنَّ أبي عليه السلام عهد إليَّ أن لا أُوطن من الأرض إلّاأخفاها وأقصاها ؛ إسراراً لأمري ، وتحصيناً لمحلّي ؛ لمكائد أهل الضلال ، والمرَدة من أحداث الأمم الضوالِّ ، فنبذني إلى عالية الرِّمال ، وجُبتُ صرائم « 4 » الأرض ، ينظرني الغاية الّتي عندها يحلُّ الأمر وينجلي الهلع « 5 » . وكان عليه السلام أنبط « 6 » لي من خزائن الحِكم وكوامن العلوم ، ما إن أشعت « 7 » إليك منه جزءاً أغناك عن الجملة .
هامش
( 1 ) - المعاتبة : مخاطبة الإدلال وكلام المدلِّين أخلّاءهم طالبين حُسن مراجعتهم ( لسان العرب : 1 / 577 عتب ) .
( 2 ) - الشحط : البُعد ( لسان العرب : 7 / 327 شحط ) .
( 3 ) - أوزعني اللَّه : ألهمني ( القاموس المحيط : 3 / 132 وزعته ) .
( 4 ) - الصريم : أرض سوداء لا تنبت شيئاً ( لسان العرب : 12 / 336 صرم ) .
( 5 ) - الهلع : أفحش الجزع ( القاموس المحيط : 3 / 141 الهلع ) .
( 6 ) - نبط الماء : نبع ، وكلّ ما ظهر فقد أنبط ( لسان العرب : 7 / 410 نبط ) .
( 7 ) - في هامش المصدر عن بعض النسخ « أشعب » .