البداء
قال رحمه الله في « التوحيد » ضمن باب بهذا العنوان : ليس البداء كما يظنّه جُهّال الناس بأنّه بداء ندامة ، تعالى اللَّه عن ذلك ، ولكن يجب علينا أن نُقِرَّ للَّهعزَّ وجلَّ بأن له البداء ، معناه : أنَّ له أن يبدأ بشيءٍ من خلقه فيخلقه قبل شيءٍ ، ثمَّ يعدم ذلك الشيء ويبدأ بخلق غيره ، أو يأمر بأمرٍ ثمَّ ينهى عن مثله ، أو ينهى عن شيءٍ ثمَّ يأمر بمثل ما نهى عنه ، وذلك مثل نسخ الشرايع ، وتحويل القبلة ، وعدَّة المُتوفّى عنها زوجها .
ولا يأمر اللَّه عباده بأمرٍ في وقتٍ مّا ، إلّاوهو يعلم أنَّ الصلاح لهم في ذلك الوقت في أن يأمرهم بذلك ، ويعلم أنَّ في وقتٍ آخر الصلاح لهم في أن ينهاهم عن مثل ما أمرهم به ، فإذا كان ذلك الوقت ، أمرهم بما يُصلحهم .
فمن أقرَّ للَّهعزَّ وجلَّ بأنَّ له أن يفعل ما يشاء ، ويعدم ما يشاء ، ويخلق مكانه ما يشاء ، ويُقدِّم ما يشاء ، ويُؤخِّر ما يشاء ، ويأمر بما شاء كيف شاء ، فقد أقرّ بالبداء .
وما عُظِّم اللَّه عزَّ وجلَّ بشيءٍ أفضل من الإقرار بأنَّ له الخلق والأمر ، والتقديم والتأخير ، وإثبات ما لم يكن ، ومحو ما قد كان .
والبداء هو رَدٌّ على اليهود ، لأنّهم قالوا : إنَّ اللَّه قد فرغ من الأمر . فقلنا : إن اللَّه كلَّ يومٍ في شأن ، يُحيي ، ويُميت ، ويرزق ، ويفعل ما يشاء .