فأتيته فلم أجد احداً يحجبني عنه ووجدته جالساً وحده وبين يديه قدح من خشب وكوز من ماء فدعى بجراب مختوم ، فقلت : لقد أئتمنني حيث يخرج إلي جوهراً ولا اعلم ما قيمته ، فكسر الخاتم فإذا فيه سويق فأخرج منه وصَبَّ في القدح ماء وذرّهُ عليه ثم شرب وسقاني ، فلم اصبر وقلت : يا أمير المؤمنين قد وسَّعَ الله عليك والطعام كثير . فقال : والله ما ختمت عليه بُخلا وأنّما ابتاع قدر كفايتي وأخاف أن يفنى فيوضع فيه من غيره ، وانما افعل هذا لئلا يدخل بطني غير طيب « 1 » .
( 16 ) وروى باسناده عن الأحنف بن قيس قال :
دخلت على معاوية فقدّم إلي من الحلو والحامض ما كثر تعَجبّي منه ، ثم قال : قدموا ذاك اللون فقدّموا لوناً ما أدري ما هو فقلت : ما هذا ؟ فقال : مصارين البَطّ محَشوُة بالمخ ودهن الفستق قد ذرّ عليه السُكّر ، قال : فبكيت ! فقال : ما يُبكيك ؟
فقال : لله در ابن أبي طالب ، لقد جاد من نفسه بما لم تسمح به أنت ولا غيرك .
فقال : وكيف ؟ قلت : دخَلت عليه ليلة عند افطاره فقال لي : قم فتَعَشّ مع الحسن والحسين ، ثم قام إلى الصلاة فلما فرغ دعى بجراب مختوم بخاتمه فاخرَجَ منه شعيراً مطحوناً ثم ختمه .
فقلت : يا أمير المؤمنين لم أَعهَدكَ بخيلا فكيف ختمَتَ على هذا الشعير ؟
هامش
( 1 ) تذكرة الخواص : 111 .