إلي من زجل المسبحين »
فقالوا : تعالوا نذهب إلى الأرض فنسمع صوتا هو أحب إلى ربنا من صوت تسبيحنا ، وكيف لا يكون أحب وزجل المسبحين إظهار لكمال حال المطيعين ، وأنين العصاة إظهار لغفارية رب الأرض والسماوات [ وهذه هي المسألة الأولى ] « 1 » .
المسألة الثانية : هذه الآية دالة على عصمة الملائكة ونظيرها قوله :
وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ
[ مريم : 64 ] وقوله :
لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ
[ الأنبياء : 27 ] وفيها دقيقة وهي أنه تعالى لم يقل : مأذونين بل قال :
بإذن ربهم وهو إشارة إلى أنهم لا يتصرفون تصرفا ما إلا بإذنه ، ومن ذلك قول الرجل لامرأته إن خرجت إلا بإذني ، فإنه يعتبر الإذن في كل خرجة .
المسألة الثالثة : قوله :
رَبِّهِمْ
يفيد تعظيما للملائكة وتحقيرا للعصاة ، كأنه تعالى قال : كانوا لي فكنت لهم ، ونظيره في حقنا :
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ *
[ الأعراف : 54 ] وقال لمحمد عليه السلام :
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ *
[ البقرة : 30 ] ونظيره ما
روي أن داود لما مرض مرض الموت قال : إلهي كن لسليمان كما كنت لي ، فنزل الوحي وقال : قل لسليمان فليكن لي كما كنت لي ،
و
روي عن إبراهيم الخليل عليه السلام أنه فقد الضيف أياما فخرج بالسفرة ليلتمس ضيفا فإذا بخيمة ، فنادى أتريدون الضيف ؟ فقيل : نعم ، فقال للمضيف : أيوجد عندك إدام لبن أو عسل ؟ فرفع الرجل صخرتين فضرب إحداهما بالأخرى فانشقا فخرج من إحداهما اللبن ومن الأخرى العسل ، فتعجب إبراهيم وقال : إلهي أنا خليلك ولم أجد مثل ذلك الإكرام ، فماله ؟
فنزل الوحي يا خليلي كان لنا فكنا له .
أما قوله تعالى :
مِنْ كُلِّ أَمْرٍ
فمعناه تنزل الملائكة والروح فيها من أجل كل أمر ، والمعنى أن كل واحد منهم إنما نزل لمهم آخر ، ثم ذكروا فيه وجوها أحدها : أنهم كانوا في أشغال كثيرة فبعضهم للركوع وبعضهم للسجود ، وبعضهم بالدعاء ، وكذا القول في التفكر والتعليم ، وإبلاغ الوحي ، وبعضهم لإدراك فضيلة الليلة أو ليسلموا على المؤمنين وثانيها : وهو قول الأكثرين / من أجل كل أمر قدر في تلك السنة من خير أو شر ، وفيه إشارة إلى أن نزولهم إنما كان عبادة ، فكأنهم قالوا : ما نزلنا إلى الأرض لهوى أنفسنا ، لكن لأجل كل أمر فيه مصلحة المكلفين ، وعم لفظ الأمر ليعم خير الدنيا والآخرة بيانا منه أنهم ينزلون بما هو صلاح المكلف في دينه ودنياه كأن السائل يقول : من أين جئت ؟ فيقول : مالك وهذا الفضول ، ولكن قل : لأي أمر جئت لأنه حظك وثالثها : قرأ بعضهم : من كل امرى أي من أجل كل إنسان ،
وروي أنهم لا يلقون مؤمنا ولا مؤمنة إلا سلموا عليه ،
قيل : أليس أنه
قد روي أنه تقسم الآجال والأرزاق ليلة النصف من شعبان ،
والآن تقولون : إن ذلك يكون ليلة القدر ؟ قلنا :
عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن اللّه يقدر المقادير في ليلة البراءة ، فإذا كان ليلة القدر يسلمها إلى أربابها »
وقيل : يقدر ليلة البراءة الآجال والأرزاق ، وليلة القدر يقدر الأمور التي فيها الخير والبركة والسلامة ، وقيل : يقدر في ليلة القدر ما يتعلق به إعزاز الدين ، وما فيه النفع العظيم للمسلمين ، وأما ليلة البراءة فيكتب فيها أسماء من يموت ويسلم إلى ملك الموت . من فضائل هذه الليلة قوله تعالى :
[ سورة القدر ( 97 ) : آية 5 ]
سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ( 5 )
هامش
( 1 ) ما بين القوسين المربعين زيادة دعا إليها عدم ترجمة المؤلف المسألة الأولى ، أو لعلها قد سقطت من الناسخ .