الْبَيِّنَةُ
مذكورة حكاية عنهم ، وقوله :
وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
هو إخبار عن الواقع ، والمعنى أن الذي وقع كان على خلاف ما ادعوا وثانيها : أن تقدير الآية ، لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم وإن جاءتهم البينة وعلى هذا التقدير يزول الإشكال هكذا ذكره القاضي إلا أن تفسير لفظة حتى بهذا ليس من اللغة في شيء وثالثها : أنا لا نحمل قوله :
مُنْفَكِّينَ
على الكفر بل على كونهم منفكين عن ذكر محمد بالمناقب والفضائل والمعنى لم يكن الذين كفروا منفكين عن ذكر محمد بالمناقب والفضائل حتى تأتيهم البينة قال ابن عرفة : أي حتى أتتهم ، فاللفظ لفظ المضارع ومعناه الماضي ، وهو كقوله تعالى :
ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ
[ البقرة : 102 ] أي ما تلت ، والمعنى أنهم ما كانوا منفكين عن ذكر مناقبه ، ثم لما جاءهم محمد تفرقوا فيه ، وقال كل واحد فيه قولا آخر رديا ونظيره قوله تعالى :
وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ
[ البقرة : 89 ] والقول المختار في هذه الآية هو الأول ، وفي الآية وجه رابع وهو أنه تعالى حكم على الكفار أنهم ما كانوا منفكين عن كفرهم إلى وقت مجيء الرسول ، وكلمة حتى تقتضي أن يكون الحال بعد ذلك ، بخلاف ما كان قبل ذلك ، والأمر هكذا كان لأن ذلك المجموع ما بقوا على الكفر بل تفرقوا فمنهم من صار مؤمنا ، ومنهم من صار كافرا ، ولما لم يبق حال أولئك الجمع بعد مجيء الرسول كما كان قبل مجيئه ، كفى ذلك في العمل بمدلول لفظ حتى ، وفيها وجه خامس : وهو أن الكفار كانوا قبل مبعث الرسول منفكين عن التردد في كفرهم بل كانوا جازمين به معتقدين حقيقته ، ثم زال ذلك الجزم بعد مبعث الرسول ، بل بقوا شاكين متحيرين في ذلك الدين وفي سائر الأديان ، ونظيره قوله :
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ
[ البقرة : 213 ] والمعنى أن الدين الذي كانوا عليه صار كأنه اختلط بلحمهم ودمهم فاليهودي كان جازما في يهوديته وكذا النصراني وعابد الوثن ، فلما بعث محمد عليه الصلاة والسلام : اضطربت الخواطر والأفكار وتشكك كل أحد في دينه ومذهبه ومقالته ، وقوله :
مُنْفَكِّينَ
مشعر بهذا لأن انفكاك الشيء عن الشيء هو انفصاله عنه ، فمعناه أن قلوبهم ما خلت عن تلك العقائد وما انفصلت عن الجزم بصحتها ، ثم إن بعد المبعث لم يبق الأمر على تلك الحالة .
المسألة الثانية : الكفار كانوا جنسين أحدهما : أهل الكتاب كفرق اليهود والنصارى وكانوا كفارا بإحداثهم في دينهم ما كفروا به كقولهم :
عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ
[ التوبة : 30 ] و :
الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ
[ التوبة : 30 ] وتحريفهم / كتاب اللّه ودينه والثاني : المشركون الذين كانوا لا ينسبون إلى كتاب ، فذكر اللّه تعالى الجنسين بقوله :
الَّذِينَ كَفَرُوا
على الإجمال ثم أردف ذلك الإجمال بالتفضل ، وهو قوله :
مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ
وهاهنا سؤالات :
السؤال الأول : تقدير الآية : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ومن المشركين فهذا يقتضي أن أهل الكتاب منهم كافر ومنهم ليس بكافر ، وهذا حق ، وأن المشركين منهم كافر ومنهم ليس بكافر ، ومعلوم أن هذا ليس بحق والجواب : من وجوه أحدها : كلمة من هاهنا ليست للتبعيض بل للتبيين كقوله :
فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ
[ الحج : 30 ] وثانيها : أن الذين كفروا بمحمد عليه الصلاة والسلام ، بعضهم من أهل الكتاب وبعضهم من المشركين ، فإدخال كلمة من لهذا السبب وثالثها : أن يكون قوله :
وَالْمُشْرِكِينَ
أيضا وصفا لأهل الكتاب ، وذلك لأن النصارى مثلثة واليهود عامتهم مشبهة ، وهذا كله شرك ، وقد يقول القائل : جاءني العقلاء