الرسول بذلك حتى عظم غضبه وأظهر العداوة الشديدة ، فصار بسبب تلك العداوة متهما في القدح في محمد عليه الصلاة والسلام ، فلم يقبل قوله فيه بعد ذلك وثانيها : أن الحكمة في ذلك أن محمدا لو كان يداهن أحدا في الدين ويسامحه فيه ، لكانت تلك المداهنة والمسامحة مع عمه الذي هو قائم مقام أبيه ، فلما لم تحصل هذه المداهنة معه انقطعت الأطماع وعلم كل أحد أنه لا يسامح أحدا في شيء يتعلق بالدين أصلا وثالثها : أن الوجه الذي ذكرتم كالمتعارض ، فإن كونه عما يوجب أن يكون له الشفقة العظيمة عليه ، فلما انقلب الأمر وحصلت العداوة العظيمة ، لا جرم استحق التغليظ العظيم .
السؤال الثالث : ما السبب في أنه لم يقل قل تبت يدا أبي لهب وتب وقال في سورة الكافرون :
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ
؟ الجواب : من وجوه الأول : لأن قرابة العمومة تقتضي / رعاية الحرمة فلهذا السبب لم يقل له :
قل ذلك لئلا يكون مشافها لعمه بالشتم بخلاف السورة الأخرى فإن أولئك الكفار ما كانوا أعماما له الثاني : أن الكفار في تلك السورة طعنوا في اللّه فقال اللّه تعالى : يا محمد أجب عنهم : قل يا أيها الكافرون وفي هذه السورة طعنوا في محمد ، فقال اللّه تعالى أسكت أنت فإن أشتمهم : تبت يدا أبي لهب الثالث : لما شتموك ، فاسكت حتى تندرج تحت هذه الآية :
وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً
[ الفرقان : 63 ] وإذا سكت أنت أكون أنا المجيب عنك ،
يروى أن أبا بكر كان يؤذيه واحد فبقي ساكتا ، فجعل الرسول يدفع ذلك الشاتم ويزجره ، فلما شرع أبو بكر في الجواب سكت الرسول ، فقال أبو بكر : ما السبب في ذلك ؟ قال : لأنك حين كنت ساكتا كان الملك يجيب عنك ، فلما شرعت في الجواب انصرف الملك وجاء الشيطان .
واعلم أن هذا تنبيه من اللّه تعالى على أن من لا يشافه السفيه كان اللّه ذابا عنه وناصرا له ومعينا .
السؤال الرابع : ما الوجه في قراءة عبد اللّه بن كثير المكي حيث كان يقرأ :
أَبِي لَهَبٍ
ساكنة الهاء ؟
الجواب : قال أبو علي : يشبه أن يكون لهب ولهب لغتين كالشمع والشمع والنهر والنهر ، وأجمعوا في قوله :
سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ
[ المسد : 3 ] على فتح الهاء ، وكذا قوله :
وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ
[ المرسلات : 31 ] وذلك يدل على أن الفتح أوجه من الإسكان ، وقال غيره : إنما اتفقوا على الفتح في الثانية مراعاة لوفاق الفواصل .
[ سورة المسد ( 111 ) : آية 2 ]
ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ ( 2 )
في الآية مسائل :
المسألة الأولى : ما في قوله :
ما أَغْنى
يحتمل أن يكون استفهاما بمعنى الإنكار ، ويحتمل أن يكون نفيا ، وعلى التقدير الأول يكون المعنى أي تأثير كان لماله وكسبه في دفع البلاء عنه ، فإنه لا أحد أكثر مالا من قارون فهل دفع الموت عنه « 1 » ، ولا أعظم ملكا من سليمان فهل دفع الموت عنه ، وعلى التقدير الثاني يكون ذلك إخبارا بأن المال والكسب لا ينفع في ذلك .
المسألة الثانية : ( ما كسب ) مرفوع وما موصولة أو مصدرية يعني مكسوبه أو كسبه ،
يروى أنه كان يقول : إن كان ما يقول ابن أخي حقا فأنا أفتدي منه نفسي بمالي وأولادي ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ،
ثم ذكروا في
هامش
( 1 ) المناسب هنا أن يقول فهل الخسف عثة ، للذي تنص عليه الآية الكريمةفَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ[ القصص : 81 ] .