بها العبد فإذا قابلها بإحسان الرب وجدها قاصرة عن الوفاء بأداء شكر تلك النعمة ، فليستغفر اللّه لأجل ذلك وخامسها : الاستغفار بسبب التقصير الواقع في السلوك لأن السائر إلى اللّه إذا وصل إلى مقام في العبودية ، ثم تجاوز عنه فبعد تجاوزه عنه يرى ذلك المقام قاصرا فيستغفر اللّه عنه ، ولما كانت مراتب السير إلى اللّه غير متناهية لا جرم كانت مراتب هذا الاستغفار غير متناهية ، أما الاحتمال الثاني : وهو أن يكون المراد واستغفره لذنب أمتك فهو أيضا ظاهر ، لأنه تعالى أمره بالاستغفار لذنب أمته في قوله :
وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ
[ محمد : 19 ] فههنا لما كثرت الأمة صار ذلك الاستغفار أوجب وأهم ، وهكذا إذا قلنا : المراد هاهنا أن يستغفر لنفسه ولأمته .
المسألة السادسة : في الآية إشكال وهو أن التوبة مقدمة على جميع الطاعات ، ثم الحمد مقدم على التسبيح ، لأن الحمد يكون بسبب الإنعام ، والإنعام كما يصدر عن المنزه فقد يصدر عن غيره ، فكان ينبغي أن يقع الابتداء بالاستغفار ، ثم بعده يذكر الحمد ، ثم بعده يذكر التسبيح ، فما السبب في أن صار مذكورا على العكس من هذا الترتيب ؟ وجوابه : من وجوه أولها : لعله ابتدأ بالأشرف ، فالأشرف نازلا إلى الأخس فالأخس ، تنبيها على أن النزول من الخالق إلى الخلق أشرف من الصعود من الخلق إلى الخالق وثانيها : فيه تنبيه على أن التسبيح والحمد الصادر عن العبد إذا صار مقابلا بجلال اللّه وعزته صار عين الذنب ، فوجب الاستغفار منه وثالثها : للتسبيح والحمد إشارة إلى التعظيم لأمر اللّه ، والاستغفار إشارة إلى الشفقة على خلق [ اللّه ] ، والأول كالصلاة ، والثاني كالزكاة ، وكما أن الصلاة مقدمة على الزكاة ، فكذا هاهنا .
المسألة السابعة : الآية تدل على أنه عليه الصلاة والسلام كان يجب عليه الإعلان بالتسبيح والاستغفار ، وذلك من وجوه أحدها : أنه عليه الصلاة والسلام كان مأمورا بإبلاغ السورة / إلى كل الأمة حتى يبقى نقل القرآن متواترا ، وحتى نعلم أنه أحسن القيام بتبليغ الوحي ، فوجب عليه الإتيان بالتسبيح والاستغفار على وجه الإظهار ليحصل هذا الغرض وثانيها : أنه من جملة المقاصد أن يصير الرسول قدوة للأمة حتى يفعلوا عند النعمة والمحنة ، ما فعله الرسول من تجديد الشكر والحمد عند تجديد النعمة وثالثها : أن الأغلب في الشاهد أن يأتي بالحمد في ابتداء الأمر ، فأمر اللّه رسوله بالحمد والاستغفار دائما ، وفي كل حين وأوان ليقع الفرق بينه وبين غيره ، ثم قال : واستغفره حين نعيت نفسه إليه لتفعل الأمة عند اقتراب آجالهم مثل ذلك .
المسألة الثامنة : في الآية سؤالات أحدها : وهو أنه قال :
إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً
على الماضي وحاجتنا إلى قبوله في المستقبل وثانيها : هلا قال : غفارا كما قاله في سورة نوح « 1 » وثالثها : أنه قال :
نَصْرُ اللَّهِ
وقال :
فِي دِينِ اللَّهِ
فلم لم يقل : بحمد اللّه بل قال :
بِحَمْدِ رَبِّكَ
والجواب : عن الأول من وجوه أحدها : أن هذا أبلغ كأنه يقول : ألست أثنيت عليكم بأنكم خير أمة أخرجت للناس ثم من كان دونكم كنت أقبل توبتهم كاليهود فإنهم بعد ظهور المعجزات العظيمة ، وفلق البحر ونتق الجبل ، ونزول المن والسلوى عصوا ربهم وأتوا بالقبائح ، فلما تابوا قبلت توبتهم فإذا كنت قابلا للتوبة ممن دونكم أفلا أقبلها منكم وثانيها : منذ كثير كنت شرعت في قبول توبة العصاة والشروع ملزم على قبول النعمان فكيف في كرم الرحمن وثالثها : كنت توابا قبل أن آمركم بالاستغفار أفلا أقبل وقد أمرتكم بالاستغفار ورابعها : كأنه إشارة إلى تخفيف جنايتهم أي لستم بأول من جنى وتاب بل هو حرفتي ، والجناية مصيبة للجاني والمصيبة إذا عمدت خفت وخامسها : كأنه نظير ما يقال :
هامش
( 1 ) في الآية العاشرة وهي قوله :فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً