تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
ثم شرف أمته في سورة والعصر بأمور ثلاثة أولها : الإيمان :
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا
، وثانيها :
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
وثالثها : إرشاد الخلق إلى الأعمال الصالحة ، وهو التواصي بالحق والتواصي بالصبر . ثم شرفه في سورة الهمزة بأن ذكر أن من همز ولمز ، فله ثلاثة أنواع من العذاب أولها : أنه لا ينتفع بدنياه البتة ، وهو قوله :
يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ كَلَّا
وثانيها : أنه ينبذ في الحطمة ، وثالثها : أنه يغلق عليه تلك الأبواب حتى لا يبقى له رجاء في الخروج ، وهو قوله :
إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ
. ثم شرفه في سورة الفيل بأن رد كيد أعدائه في نحرهم من ثلاثة أوجه أولها : جعل كيدهم في تضليل وثانيها : أرسل عليهم طيرا أبابيل وثالثها : جعلهم كعصب مأكول . ثم شرفه في سورة قريش بأنه راعى مصلحة أسلافه من ثلاثة أوجه أولها : جعلهم مؤتلفين متوافقين لإيلاف قريش وثانيها : أطعمهم من جوع وثالثها : أنه آمنهم من خوف . وشرفه في سورة الماعون بأن وصف المكذبين بدينه بثلاثة أنواع من الصفات المذمومة أولها : الدناءة واللؤم وهو قوله :
يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ
وثانيها : ترك تعظيم الخالق وهو قوله :
عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ
وثالثها : ترك انتفاع الخلق ، وهو قوله :
وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ
. ثم إنه سبحانه وتعالى لما شرفه في هذه السور من هذه الوجوه العظيمة قال بعدها :
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ
أي إنا أعطيناك هذه المناقب المتكاثرة المذكورة في السور المتقدمة التي كل واحدة منها أعظم من ملك الدنيا بحذافيرها ، فاشتغل أنت بعبادة هذه الرب وبإرشاد عباده إلى ما هو الأصلح لهم ، أما عبادة الرب فإما بالنفس وهو قوله :
فَصَلِّ لِرَبِّكَ
وإما بالمال ، وهو قوله :
وَانْحَرْ
وأما إرشاد عباده إلى ما هو الأصلح لهم في دينهم ودنياهم فهو قوله :
يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ
فثبت أن هذه السورة كالتتمة لما قبلها من السور ، وأما أنها كالأصل لما بعدها فهو أنه تعالى يأمره بعد هذه السورة بأن يكفر جميع أهل الدنيا بقوله :
يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ
ومعلوم أن عسف الناس على مذاهبهم وأديانهم أشد من عسفهم على أرواحهم وأموالهم ، وذلك أنهم يبذلون أموالهم وأرواحهم في نصرة أديانهم ، فلا جرم كان الطعن في مذاهب الناس يثير من العداوة والغضب ما لا يثير سائر المطاعن ، فلما أمره بأن يكفر جميع أهل الدنيا ، ويبطل أديانهم لزم أن يصير جميع أهل الدنيا في غاية العداوة له ، وذلك مما يحترف عنه كل أحد من الخلق فلا يكاد يقدم عليه ، وانظر إلى موسى عليه السلام كيف / كان يخاف من فرعون وعسكره . وأما هاهنا فإن محمدا عليه السلام لما كان مبعوثا إلى جميع أهل الدنيا ، كان كل واحد من الخلق ، كفرعون بالنسبة إليه ، فدبر تعالى في إزالة هذا الخوف الشديد تدبيرا لطيفا ، وهو أنه قدم على تلك السورة هذه السورة فإن قوله :
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ
يزيل عنه ذلك الخوف من وجوه أحدها : أن قوله :
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ
أي الخير الكثير في الدنيا والدين ، فيكون ذلك وعدا من اللّه إياه بالنصرة والحفظ وهو كقوله :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ
[ الأنفال : 64 ] وقوله :
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
[ المائدة : 67 ] وقوله :
إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ
[ التوبة : 40 ] ومن كان اللّه تعالى ضامنا لحفظه ، فإنه لا يخشى أحدا وثانيها : أنه تعالى لما قال :
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ
وهذا اللفظ يتناول خيرات الدنيا وخيرات الآخرة ، وأن خيرات الدنيا ما كانت واصلة إليه حين كان بمكة ، والخلف في كلام اللّه تعالى