بسم اللّه الرحمن الرحيم
سورة الكوثر
ثلاث آيات مكية
[ سورة الكوثر ( 108 ) : آية 1 ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ( 1 )
اعلم أن هذه السورة على اختصارها فيها لطائف : إحداها : أن هذه السورة كالمقابلة للسورة المتقدمة ، وذلك لأن في السورة المتقدمة وصف اللّه تعالى المنافق بأمور أربعة : أولها : البخل وهو المراد من قوله :
يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ
[ الماعون : 2 ، 3 ] الثاني : ترك الصلاة وهو المراد من قوله :
الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ
[ الماعون : 5 ] والثالث : المراءاة في الصلاة هو المراد من قوله :
الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ
[ الماعون : 6 ] والرابع : المنع من الزكاة وهو المراد من قوله :
وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ
[ الماعون : 7 ] فذكر في هذه السورة في مقابلة تلك الصفات الأربع صفات أربعة ، فذكر في مقابلة البخل قوله :
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ
أي إنا أعطيناك الكثير ، فأعط أنت الكثير ولا تبخل ، وذكر في مقابلة :
الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ
قوله :
فَصَلِّ
أي دم على الصلاة ، وذكر في مقابلة :
الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ
قوله :
لِرَبِّكَ
أي ائت بالصلاة لرضا ربك ، لا لمراءاة الناس ، وذكر في مقابلة :
وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ
قوله :
وَانْحَرْ
وأراد به التصدق بلحم الأضاحي ، فاعتبر هذه المناسبة العجيبة ، ثم ختم السورة بقوله :
إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
أي المنافق الذي يأتي بتلك الأفعال القبيحة المذكورة في تلك السورة سيموت ولا يبقى من دنياه أثر ولا خبر ، وأما أنت فيبقى لك في الدنيا الذكر الجميل ، وفي الآخرة الثواب الجزيل .
والوجه الثاني : في لطائف هذه السورة أن السالكين إلى اللّه تعالى لهم ثلاث درجات : أعلاها أن يكونوا مستغرقين بقلوبهم وأرواحهم في نور جلال اللّه وثانيها : أن يكونوا مشتغلين بالطاعات والعبادات البدنية وثالثها :
أن يكونوا في مقام منع النفس عن الانصباب إلى اللذات المحسوسة والشهوات العاجلة فقوله :
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ
إشارة إلى المقام الأول / وهو كون روحه القدسية متميزة عن سائر الأرواح البشرية بالكم والكيف .
أما بالكم فلأنها أكثر مقدمات ، وأما بالكيف فلأنها أسرع انتقالا من تلك المقدمات إلى النتائج من سائر الأرواح ، وأما قوله :
فَصَلِّ لِرَبِّكَ
فهو إشارة إلى المرتبة الثانية ، وقوله :
وَانْحَرْ
إشارة إلى المرتبة الثالثة ، فإن منع النفس عن اللذات العاجلة جار مجرى النحر والذبح ، ثم قال :
إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
ومعناه أن النفس التي تدعوك إلى طلب هذه المحسوسات والشهوات العاجلة ، أنها دائرة فانية ، وإنما الباقيات الصالحات خير عند