واعلم أن هذين الوصفين مضادات للوصفين اللذين وصف اللّه أهل النار بهما فقوله :
وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ
ضد قوله :
فَأَمَّا مَنْ طَغى
[ النازعات : 17 ] وقوله :
وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى
ضد ققوله :
وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا
[ النازعات : 38 ] واعلم أن الخوف من اللّه ، لا بد وأن يكون مسبوقا بالعلم باللّه على ما قال :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر : 28 ] ولما كان الخوف من اللّه هو السبب المعين لدفع الهوى ، لا جرم قدم العلة على المعلول ، وكما دخل في ذينك الصفتين جميع القبائح دخل / في هذين الوصفين جميع الطاعات والحسنات ، وقيل : الآيتان نزلتا في أبي عزيز بن عمير ومصعب بن عمير ، وقد قتل مصعب أخاه أبا عزيز يوم أحد ، ووقى رسول اللّه بنفسه حتى نفذت المشاقص في جوفه .
[ سورة النازعات ( 79 ) : الآيات 42 إلى 44 ]
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها ( 42 ) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها ( 43 ) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها ( 44 )
واعلم أنه تعالى لما بين بالبرهان العقلي إمكان القيامة ، ثم أخبر عن وقوعها ، ثم ذكر أحوالها العامة ، ثم ذكر أحوال الأشقياء والسعداء فيها ، قال تعالى :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها
.
واعلم أن المشركين كانوا يسمعون إثبات « 1 » القيامة ، ووصفها بالأوصاف الهائلة ، مثل أنها طامة وصاخة وقارعة ، فقالوا على سبيل الاستهزاء :
أَيَّانَ مُرْساها
فيحتمل أن يكون ذلك على سبيل الإيهام لأتباعهم أنه لا أصل لذلك ، ويحتمل أنهم كانوا يسألون الرسول عن وقت القيامة استعجالا ، كقوله :
يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها
[ الشورى : 18 ] ثم في قوله :
مُرْساها
قولان أحدهما : متى إرساؤها ، أي إقامتها أرادوا متى يقيمها اللّه ويوجدها ويكونها والثاني :
أَيَّانَ
منتهاها ومستقرها ، كما أن مرسى السفينة مستقرها حيث تنتهي إليه .
ثم إن اللّه تعالى أجاب عنه بقوله تعالى :
فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها
وفيه وجهان الأول : معناه في أي شيء أنت عن تذكر وقتها لهم ، وتبين ذلك الزمان المعين لهم ، ونظيره قول القائل : إذا سأله رجل عن شيء لا يليق به ما أنت وهذا ، وأي شيء لك في هذا ،
وعن عائشة « لم يزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت هذه الآية »
فهو على هذا تعجيب من كثرة ذكره لها ، كأنه قيل : في أي شغل واهتمام أنت من ذكرها والسؤال عنها ، والمعنى أنهم يسألونك عنها ، فلحرصك على جوابهم لا تزال تذكرها وتسأل عنها .
ثم قال تعالى :
إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها
أي منتهى علمها لم يؤته أحدا من خلقه الوجه الثاني : قال بعضهم :
فِيمَ
إنكار لسؤالهم ، أي فيم هذا السؤال ، ثم قيل :
أَنْتَ مِنْ ذِكْراها
أي أرسلك « 2 » وأنت خاتم الأنبياء وآخر الرسل ذاكرا من أنواع علاماتها ، وواحدا من أقسام أشراطها ، فكفاهم بذلك دليلا على دنوها ووجوب الاستعداد لها ، ولا فائدة في سؤالهم عنها .
هامش
( 1 ) لعل ( إثبات ) محرفة عن ( أنباء ) بمعنى أخبار .
( 2 ) لعل ( أرسلك ) محرفة عن ( إرسالك ) .