المسألة الثانية : قرأ أبو نهيك وبرزت وقرأ ابن مسعود : لمن رأى ، وقرأ عكرمة : لمن ترى ، والضمير للجحيم ، كقوله :
إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
[ الفرقان : 12 ] وقيل : لمن ترى يا محمد من الكفار الذين يؤذونك .
واعلم أنه تعالى لما وصف حال القيامة في الجملة قسم المكلفين قسمين : الأشقياء والسعداء ، فذكر حال الأشقياء . فقال تعالى :
[ سورة النازعات ( 79 ) : الآيات 37 إلى 39 ]
فَأَمَّا مَنْ طَغى ( 37 ) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 38 ) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى ( 39 )
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في جواب قوله :
فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى
[ النازعات : 34 ] وجهان الأول : قال الواحدي : إنه محذوف على تقدير إذا جاءت الطامة دخل أهل النار النار ، وأهل الجنة الجنة ، ودلى على هذا المحذوف ، ما ذكر في بيان مأوى الفريقين ، ولهذا كان يقول مالك بن معول في تفسير الطامة الكبرى ، قال :
إنها إذا سبق أهل الجنة إلى الجنة ، وأهل النار إلى النار والثاني : أن جوابه قوله :
فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى
وكأنه جزاء مركب على شرطين نظيره إذا جاء الغد ، فمن جاءني سائلا أعطيته ، كذا هاهنا أي إذا جاءت الطامة الكبرى فمن جاء طاغيا فإن الجحيم مأواه .
المسألة الثانية : منهم من قال : المراد بقوله :
طَغى * وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا
النضر وأبوه الحارث فإن كان المراد أن هذه الآية نزلت عند صدور بعض المنكرات منه فجيد وإن كان المراد تخصيصها به ، فبعيد لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، لا سيما إذا عرف بضرورة العقل أن الموجب لذلك الحكم هو الوصف المذكور .
المسألة الثالثة : قوله صغى ، إشارة إلى فساد حال القوة النظرية ، لأن كل من عرف اللّه عرف حقارة نفسه ، وعرف استيلاء قدرة اللّه عليه ، فلا يكون له طغيان وتكبر ، وقوله :
وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا
إشارة إلى فساد حال القوة العملية ، وإنما ذكر ذلك لما
روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : « حب الدنيا رأس كل خطيئة »
ومتى كان الإنسان والعياذ باللّه موصوفا بهذين الأمرين ، كان بالغا في الفساد إلى أقصى الغايات ، وهو الكافر الذي يكون عقابه مخلدا ، وتخصيصه بهذه الحالة يدل على أن الفاسق الذي لا يكون كذلك ، لا تكون الجحيم مأوى له .
المسألة الرابعة : تقدير الآية : فإن الجحيم هي المأوى له ، ثم حذفت الصلة لوضوح المعنى كقولك للرجل غض الطرف أي غض طرفك ، وعندي فيه وجه آخر ، وهو أن يكون التقدير : فان الجحيم هي المأوى ، اللائق بمن كان موصوفا بهذه الصفات والأخلاق . ثم ذكر تعالى حال السعداء فقال تعالى :
[ سورة النازعات ( 79 ) : الآيات 40 إلى 41 ]
وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ( 40 ) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ( 41 )