حُكْماً
[ الشعراء : 83 ] إشارة إلى كمال القوة ، النظرية
وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
إشارة إلى كمال القوة العملية ، فههنا بين اللّه تعالى رداءة حالهم في الأمرين ، أما في القوة العملية فنبه على فسادها بقوله :
إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً
[ النبأ : 27 ] أي كانوا مقدمين على جميع القبائح والمنكرات ، وغير راغبين في شيء من الطاعات والخيرات .
وأما في القوة النظرية فنبه على فسادها بقوله :
وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً
أي كانوا منكرين بقلوبهم للحق ومصرين على الباطل ، وإذا عرفت ما ذكرناه من التفسير ظهر أنه تعالى بين أنهم كانوا قد بلغوا في الرداءة والفساد إلى حيث يستحيل عقلا وجود ما هو أزيد منه ، فلما كانت أفعالهم كذلك كان اللائق بها هو العقوبة العظيمة . فثبت بهذا صحة ما قدمه في قوله :
جَزاءً وِفاقاً
[ النبأ : 26 ] فما أعظم لطائف القرآن مع أن الأدوار العظيمة قد استمرت ، ولم ينتبه لها أحد ، فالحمد للّه حمدا يليق بعلو شأنه وبرهانه على ما خص هذا الضعيف بمعرفة هذه الأسرار .
واعلم أن قوله تعالى :
وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً
يدل على أنهم كذبوا بجميع دلائل اللّه تعالى في التوحيد والنبوة والمعاد والشرائع والقرآن ، وذلك يدل على كمال حال القوة النظرية في الرداءة والفساد والبعد عن سواء السبيل وقوله :
كِذَّاباً
أي تكذيبا وفعال من مصادر التفعيل وأنشد الزجاج :
لقد طال ما ريثتني عن صجابتي * وعن حوج قضاؤها من شفائنا
من قضّيت قضاء قال الفراء هي لغة فصيحة يمانية ونظيره خرّقت القميص خرّاقا ، وقال لي أعرابي منهم على المروة يستفتيني : الحلو أحب إليك أم العصّار ؟ وقال صاحب « الكشاف » كنت أفسر آية فقال بعضهم : لقد فسرتها فسّارا ما سمع به ، وقرئ بالتخفيف وفيه وجوه : أحدها : أنه مصدر كذّب بدليل قوله :
فصدقتها أو كذبتها * والمرء ينفعه كذابه
وهو مثل قوله تعالى :
أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً
[ نوح : 17 ] يعني وكذبوا بآياتنا فكذبوا كذابا وثانيها : أن ينصبه بكذبوا لأنه يتضمن معنى كذبوا لأن كل مكذب بالحق كاذب وثالثها : أن يجعل الكذاب بمعنى المكاذبة ، فمعناه وكذبوا بآياتنا فكاذبوا مكاذبة . أو كذبوا بها مكاذبين . لأنهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين ، وكان المسلمون عندهم كاذبين فبينهم مكاذبة وقرئ أيضا كذلك وهو جمع كاذب ، أي كذبوا بآياتنا كاذبين ، وقد يكون الكذاب بمعنى الواحد البليغ في الكذب ، يقال رجل كذاب كقولك حسان وبخال ، فيجعل صفة لمصدر كذبوا أي تكذيبا كذابا مفرطا كذبه .
واعلم أنه تعالى لما بين أن فساد حالهم في القوة العملية وفي القوة النظرية بلغ إلى أقصى الغايات وأعظم النهايات بين أن تفاصيل تلك الأحوال في كميتها وكيفيتها معلومة له ، وقدر له ما يستحق عليه من العقاب معلوم له ، فقال :
[ سورة النبأ ( 78 ) : آية 29 ]
وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً ( 29 )
وفيه مسائل :