تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
والمقربة والمتربة مفعلات من سغب إذا جاع وقرب في النسب ، يقال : فلان ذو قرابتي وذو مقربتي وترب إذا افتقر ومعناه التصق بالتراب ، وأما أترب فاستغنى ، أي صار ذا مال كالتراب في الكثرة . قال الواحدي : المتربة مصدر من قولهم ترب يترب تربا ومتربة مثل مسغبة إذا افتقر حتى لصق بالتراب . المسألة الثانية : حاصل القول في تفسير :
يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ
ما قاله الحسن : وهو نائم يوم محروص فيه على الطعام ، قال أبو علي : ومعناه ما يقول النحويون في قولهم : ليل نائم ونهار صائم أي ذو نوم وصوم . واعلم أن إخراج المال في وقت القحط والضرورة أثقل على النفس وأوجب للأجر ، وهو كقوله :
وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ
[ البقرة : 177 ] وقال :
وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً
[ الإنسان : 8 ] وقرأ الحسن : ( ذا مسغبة ) نصبه بإطعام ومعناه أو إطعام في يوم من الأيام ذا مسغبة . أما قوله تعالى :

[ سورة البلد ( 90 ) : آية 15 ]

يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ ( 15 ) قال الزجاج : ذا قرابة تقول زيد ذو قرابتي وذو مقربتي ، وزيد / قرابتي قبيح لأن القرابة مصدر ، قال مقاتل : يعني يتيما بينه وبينه قرابة ، فقد اجتمع فيه حقان يتم وقرابة ، فاطعامه أفضل ، وقيل : يدخل فيه القرب بالجوار ، كما يدخل فيه القرب بالنسب . أما قوله تعالى :

[ سورة البلد ( 90 ) : آية 16 ]

أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ ( 16 ) أي مسكينا قد لصق بالتراب من فقره وضره ، فليس فوقه ما يستره ولا تحته ما يوطئه ، روى أن ابن عباس مر بمسكين لاصق بالتراب فقال : هذا الذي قال اللّه تعالى [ فيه ] :
أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ
واحتج الشافعي بهذه الآية على أن المسكين قد يكون بحيث يملك شيئا ، لأنه لو كان لفظ المسكين دليلا على أنه لا يملك شيئا البتة ، لكان تقييده بقوله :
ذا مَتْرَبَةٍ
تكريرا وهو غير جائز .

[ سورة البلد ( 90 ) : آية 17 ]

ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ( 17 ) أما قوله تعالى :
ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا
أي كان مقتحم العقبة من الذين آمنوا ، فإنه إن لم يكن منهم لم ينتفع بشيء من هذه الطاعات ، ولا مقتحما للعقبة فإن قيل : لما كان الإيمان شرطا للانتفاع بهذه الطاعات وجب كونه مقدما عليها ، فما السبب في أن اللّه تعالى أخره عنها بقوله :
ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا
؟ والجواب : من وجوه أحدها : أن هذا التراخي في الذكر لا في الوجود ، كقوله :
إن من ساد ثم ساد أبوه * ثم قد ساد قبل ذلك جده
لم يرد بقوله : ثم ساد أبوه التأخر في الوجود ، وإنما المعنى ، ثم اذكر أنه ساد أبوه . كذلك في الآية وثانيها : أن يكون المراد ، ثم كان في عاقبة أمره من الذين آمنوا وهو أن يموت على الإيمان فإن الموافاة شرط الانتفاع بالطاعات وثالثها : أن من أتى بهذه القرب تقربا إلى اللّه تعالى قبل إيمانه بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ثم آمن بعد ذلك بمحمد عليه الصلاة والسلام ، فعند بعضهم أنه يثاب على تلك الطاعات ، قالوا : ويدل عليه ما روي : « أن حكيم بن حزام بعد ما أسلم قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : إنا كنا نأتي بأعمال الخير في الجاهلية فهل لنا منها شيء ؟ فقال