السفينة ، وقوله :
فِي الْجارِيَةِ
يعني في السفينة التي تجري في الماء ، وهي سفينة نوح عليه السلام ، والجارية من أسماء السفينة ، ومنه قوله :
وَلَهُ الْجَوارِ
[ الرحمن : 24 ] .
[ سورة الحاقة ( 69 ) : آية 12 ]
لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ ( 12 )
قوله تعالى :
لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً
الضمير في قوله :
لِنَجْعَلَها
إلى ماذا يرجع ؟ فيه وجهان : الأول :
قال الزجاج إنه عائد إلى الواقعة التي هي معلومة ، وإن كانت هاهنا غير مذكورة ، والتقدير لنجعل نجاة المؤمنين وإغراق الكفرة عظة وعبرة الثاني : قال الفراء : لنجعل السفينة ، وهذا ضعيف والأول هو الصواب ، ويدل على صحته قوله :
وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
فالضمير في قوله :
وَتَعِيَها
عائد إلى ما عاد إليه الضمير الأول ، لكن الضمير في قوله :
وَتَعِيَها
لا يمكن عوده إلى السفينة فكذا الضمير الأول .
قوله تعالى :
وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
فيه مسألتان :
المسألة الأولى : يقال : لكل شيء حفظته في نفسك وعيته ووعيت العلم ، ووعيت ما قلت ويقال : لكل ما حفظته في غير نفسك : أوعيته يقال : أوعيت المتاع في الوعاء ، ومنه قول الشاعر :
/ والشر أخبث ما أوعيت من زاد واعلم أن وجه التذكير في هذا أن نجاة قوم من الغرق بالسفينة وتغريق من سواهم يدل على قدرة مدبر العالم ونفاذ مشيئته ، ونهاية حكمته ورحمته وشدة قهره وسطوته ،
وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم عند نزول هذه الآية : « سألت اللّه أن يجعلها أذنك يا علي ، قال علي : فما نسيت شيئا بعد ذلك ، وما كان لي أن أنسى »
فإن قيل : لم قال
أُذُنٌ واعِيَةٌ
على التوحيد والتنكير ؟ قلنا : للإيذان بأن الوعاة فيهم قلة ، ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم ، وللدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت وعقلت عن اللّه فهي السواد الأعظم عند اللّه ، وأن ما سواه لا يلتفت إليهم ، وإن امتلأ العالم منهم .
المسألة الثانية : قراءة العامة :
وَتَعِيَها
بكسر العين ، وروى عن ابن كثير
وَتَعِيَها
ساكنة العين كأنه جعل حرف المضارعة مع ما بعده بمنزلة فخذ ، فأسكن كما أسكن الحرف المتوسط من فخذ وكبد وكتف ، وإنما فعل ذلك لأن حرف المضارعة لا ينفصل من الفعل ، فأشبه ما هو من نفس الكلمة ، وصار كقول من قال : وهو وهي ومثل ذلك قوله :
وَيَتَّقْهِ
[ النور : 52 ] في قراءة من سكن القاف .
واعلم أنه تعالى لما حكى هذه القصص الثلاث ونبه بها عن ثبوت القدرة والحكمة للصانع فحينئذ ثبت بثبوت القدرة إمكان القيامة ، وثبت بثبوت الحكمة إمكان وقوع القيامة .
ولما ثبت ذلك شرع سبحانه في تفاصيل أحوال القيامة فذكر أولا مقدماتها . فقال :
[ سورة الحاقة ( 69 ) : آية 13 ]
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ ( 13 )
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرئ
نَفْخَةٌ
بالرفع والنصب ، وجه الرفع أسند الفعل إليها ، وإنما حسن تذكير الفعل للفصل ، ووجه النصب أن الفعل مسند إلى الجار والمجرور ثم نصب
نَفْخَةٌ
على المصدر .