والصواب أن يكون على السنة وثانيها :
قال قتادة : سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « يقول أيكم أحسن عقلا » ثم قال : أتمكم عقلا أشدكم للّه خوفا وأحسنكم فيما أمر اللّه به ونهى عنه نظرا ،
وإنما جاز أن يفسر حسن العمل بتمام العقل لأنه يترتب على العقل ، فمن كان أتم عقلا كان أحسن عملا على ما ذكر في حديث قتادة وثالثها :
روي عن الحسن أيكم أزهد في الدنيا وأشد تركا لها ، واعلم أنه لما ذكر حديث الابتلاء قال بعده :
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ
أي وهو العزيز الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل ، الغفور لمن تاب من أهل الإساءة .
واعلم أن كونه عزيزا غفورا لا يتم إلا بعد كونه قادرا على كل المقدورات عالما بكل المعلومات أما أنه لا بد من القدرة التامة ، فلأجل أن يتمكن من إيصال جزاء كل أحد بتمامه إليه سواء كان عقابا أو ثوابا ، وأما أنه لا بد من العلم التام فلأجل أن يعلم أن المطيع من هو والعاصي من هو فلا يقع الخطأ في إيصال الحق إلى مستحقه ، فثبت أن كونه عزيزا غفورا لا يمكن ثبوتها إلا بعد ثبوت / القدرة التامة والعلم التام ، فلهذا السبب ذكر اللّه الدليل على ثبوت هاتين الصفتين في هذا المقام ، ولما كان العلم بكونه تعالى قادرا متقدما على العلم بكونه عالما ، لا جرم ذكر أولا دلائل القدرة وثانيا دلائل العلم .
[ سورة الملك ( 67 ) : آية 3 ]
الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ( 3 )
أما دليل القدرة فهو قوله :
الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : ذكر صاحب « الكشاف » في
طِباقاً
ثلاثة أوجه أولها : طباقا أي مطابقة بعضها فوق بعض من طابق النعل إذا خصفها طبقا على طبق ، وهذا وصف بالمصدر وثانيها : أن يكون التقدير ذات طباق وثالثها : أن يكون التقدير طوبقت طباقا .
المسألة الثانية : دلالة هذه السماوات على القدرة من وجوه أحدها : من حيث إنها بقيت في جو الهواء معلقة بلا عماد ولا سلسلة وثانيها : من حيث إن كل واحد منها اختص بمقدار معين مع جواز ما هو أزيد منه وأنقص وثالثها : أنه اختص كل واحد منها بحركة خاصة مقدرة بقدر معين من السرعة والبطء إلى جهة معينة ورابعها : كونها في ذواتها محدثة وكل ذلك يدل على استنادها إلى قادر تام القدرة .
وأما دليل العلم فهو قوله :
ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي من تفوت والباقون
مِنْ تَفاوُتٍ
، قال الفراء : وهما بمنزله واحدة مثل تظهر وتظاهر ، وتعهد وتعاهد ، وقال الأخفش :
تَفاوُتٍ
أجود لأنهم يقولون : تفاوت الأمر ولا يكادون يقولون : تفوت ، واختار أبو عبيدة : تفوت ، وقال : يقال تفوت الشيء إذا فات ، واحتج بما روي في الحديث أن رجلا تفوت على أبيه في ماله .
المسألة الثانية : حقيقة التفاوت عدم التناسب كأن بعض الشيء يفوت بعضه « 1 » ولا يلائمه ومنه قولهم :
( تعلق متعلق متفاوت ونقيضه متناسب ) « 2 » ، وأما ألفاظ المفسرين فقال السدي : من تفاوت أي من اختلاف
هامش
( 1 ) في الكشاف للزمخشري ( بعضا ) 4 / 134 ط . دار الفكر .
( 2 ) في الكشاف للزمخشري ( خلق متفاوت وفي نقيضه متناصف ) 4 / 134 ط . دار الفكر .