تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 562

مساهمون:

ص٥٦٢
والإمساك بالمعروف ، وإن شئتم فترك الرجعة والمفارقة ، واتقاء « 1 » الضرار / وهو أن يراجعها في آخر العدة ، ثم يطلقها تطويلا للعدة وتعذيبا لها . وقوله تعالى :
وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ
أي أمروا أن يشهدوا عند الطلاق وعند الرجعة ذوي عدل ، وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة كما في قوله :
وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ
[ البقرة : 282 ] وعند الشافعي هو واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة ، وقيل : فائدة الإشهاد أن لا يقع بينهما التجاحد ، وأن لا يتهم في إمساكها ولئلا يموت أحدهما فيدعي الباقي ثبوت الزوجية ليرث ، وقيل : الإشهاد إنما أمروا به للاحتياط مخافة أن تنكر المرأة المراجعة فتنقضي العدة فتنكح زوجا . ثم خاطب الشهداء فقال :
وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ
وهذا أيضا مر تفسيره ، وقوله :
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً
قال الشعبي : من يطلق للعدة يجعل اللَّه له سبيلا إلى الرجعة ، وقال غيره : مخرجا من كل أمر ضاق على الناس ، قال الكلبي : ومن يصبر على المصيبة يجعل اللَّه له مخرجا من النار إلى الجنة ، وقرأها النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال : مخرجا من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ، ومن شدائد يوم القيامة ، و قال أكثر أهل التفسير : أنزل هذا وما بعده في عوف بن مالك الأشجعي أسر العدو ابنا له فأتى النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، وذكر له ذلك وشكا إليه الفاقة فقال له : « اتق اللَّه واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا باللَّه » ففعل الرجل ذلك فبينما هو في بيته إذ أتاه ابنه ، وقد غفل عنه العدو ، فأصاب إبلا وجاء بها إلى أبيه ، وقال صاحب « الكشاف » : فبينا هو في بيته ، إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل غفل عنها العدو فاستاقها ، فذلك قوله : ويرزقه من حيث لا يحتسب ويجوز أنه إن اتقى اللَّه وآثر الحلال والصبر على أهله فتح اللَّه عليه إن كان ذا ضيق
وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ
وقال في « الكشاف » :
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ
جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق من إجراء أمر الطلاق على السنة كما مر . وقوله تعالى :
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
أي من وثق به فيما ناله كفاه اللَّه ما أهمه ، ولذلك قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على اللَّه » وقرئ :
إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ
بالإضافة و
بالِغُ أَمْرِهِ
أي نافذ أمره ، وقرأ المفضل بالغا أمره ، على أن قوله
قَدْ جَعَلَ
خبر
إِنَّ
، وبالغا حال . قال ابن عباس يريد في جميع خلقه والمعنى سيبلغ اللَّه أمره فيما يريد منكم و
قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً
أي تقديرا وتوقيتا ، وهذا بيان لوجوب التوكل على اللَّه تعالى وتفويض الأمر إليه ، قال الكلبي ومقاتل : لكل شيء من الشدة والرخاء أجل ينتهى إليه قدر اللَّه تعالى ذلك كله لا يقدم ولا يؤخر . وقال ابن عباس : يريد قدرت ما خلقت بمشيئتي ، وقوله :
فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ
إلى قوله :
مَخْرَجاً
آية ومنه إلى قوله :
قَدْراً
آية أخرى عند الأكثر ، وعند الكوفي والمدني المجموع آية واحدة ثم في هذه الآية لطيفة : وهي أن التقوى في رعاية أحوال النساء مفتقرة إلى المال ، فقال تعالى :
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً
وقريب من هذا قوله :
إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
[ النور : 32 ] فإن قيل :
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
يدل على عدم الاحتياج للكسب في طلب الرزق ، وقوله تعالى : /
فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ
[ الجمعة : 10 ] يدل على الاحتياج فكيف هو ؟ نقول : لا يدل على الاحتياج ، لأن قوله :
فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ
للإباحة كما مر والإباحة مما ينافي الاحتياج إلى الكسب لما أن الاحتياج مناف للتخيير . ثم قال تعالى :
هامش
( 1 ) في مطبوع التفسير الكبير للرازي ( وإبقاء ) والمثبت من المرجع السابق .