الانتفاع به ، فإذا أحبوا اللذات العاجلة ، وتلك اللذات لا تحصل / إلا عند حصول المنتفع وحصول المنتفع به ، وهذان لا يحصلان إلا بتكوين اللّه وإيجاده ، فهذا مما يوجب عليهم الانقياد للّه ولتكاليفه وترك التمرد والإعراض ، وأما من حيث الرهبة فلأنه قدر على أن يميتهم ، وعلى أن يسلب النعمة عنهم ، وعلى أن يلقيهم في كل محنة وبلية ، فلأجل من فوت هذه اللذات العاجلة يجب عليهم أن ينقادوا للّه ، وأن يتركوا هذا التمرد ، وحاصل الكلام كأنه قيل لهم : هب أن حبكم لهذه اللذات العاجلة طريقة مستحسنة ، إلا أن ذلك يوجب عليكم الإيمان باللّه والانقياد له ، فلو أنكم توسلتم به إلى الكفر باللّه ، والإعراض عن حكمه ، لكنتم قد تمردتم ، وهذا ترتيب حسن في السؤال والجواب وطريقة لطيفة ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال أهل اللغة : الأسر الربط والتوثيق ، ومنه أسر الرجل إذا وثق بالقد وفرس مأسور الخلق وفرس مأسور بالعقب ، والمعنى شددنا توصيل أعضائهم بعضا ببعض وتوثيق مفاصلهم بالأعصاب .
المسألة الثانية :
وَإِذا
. . .
بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ
أي إذا شئنا أهلكناهم وآتينا بأشباههم فجعلناهم بدلا منهم ، وهو كقوله :
عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ
[ الواقعة : 61 ] والغرض منه بيان الاستغناء التام عنهم كأنه قيل : لا حاجة بنا إلى أحد من المخلوقين البتة ، وبتقدير أن تثبت الحاجة فلا حاجة إلى هؤلاء الأقوام ، فإنا قادرون على إفنائهم ، وعلى إيجاد أمثالهم ، ونظيره قوله تعالى :
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً
[ النساء : 133 ] وقال :
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ *
[ إبراهيم :
19 ، 20 ] ثم قيل :
بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ
أي في الخلقة ، وإن كانوا أضدادهم في العمل ، وقيل : أمثالهم في الكفر .
المسألة الثالثة : قال صاحب الكشاف : في قوله :
وَإِذا شِئْنا
إن حقه أن يجيء بأن لا بإذا كقوله :
وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ
[ محمد : 38 ]
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ *
[ النساء : 133 ] واعلم أن هذا الكلام كأنه طعن في لفظ القرآن ، وهو ضعيف لأن كل واحد من إن وإذا حرف الشرط ، إلا أن حرف إن لا يستعمل فيما يكون معلوم الوقوع ، فلا يقال : إن طلعت الشمس أكرمتك ، أما حرف إذا فإنه يستعمل فيما كان معلوم الوقوع ، تقول :
آتيك إذا طلعت الشمس ، فههنا لما كان اللّه تعالى عالما بأنه سيجيء وقت يبدل اللّه فيه أولئك الكفرة بأمثالهم في الخلقة وأضدادهم في الطاعة ، لا جرم حسن استعمال حرف إذا .
[ سورة الإنسان ( 76 ) : الآيات 29 إلى 30 ]
إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً ( 29 ) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً ( 30 )
واعلم أنه تعالى لما شرح أحوال السعداء وأحوال الأشقياء قال بعده :
إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
والمعنى أن هذه السورة بما فيها من / الترتيب العجيب والنسق البعيد والوعد والوعيد والترغيب والترهيب ، تذكرة للمتأملين وتبصرة للمستبصرين ، فمن شاء الخيرة لنفسه في الدنيا والآخرة اتخذ إلى ربه سبيلا . واتخاذ السبيل إلى اللّه عبارة عن التقرب إليه ، واعلم أن هذه الآية من جملة الآيات التي تلاطمت فيها أمواج الجبر والقدر ، فالقدري يتمسك بقوله تعالى :
فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا
ويقول :
إنه صريح مذهبي ونظيره :
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
[ الكهف : 29 ] والجبري يقول : متى ضمت هذه الآية إلى الآية التي بعدها خرج منه صريح مذهب الجبر ، وذلك لأن قوله :
فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا
يقتضي