سورة المزمل واحتجوا عليه بأن قوله :
فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ
أمر وهو للوجوب لا سيما إذا تكرر على سبيل المبالغة ، وقال آخرون : بل المراد التطوع وحكمه ثابت .
القول الثاني : أن المراد من قوله :
وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ
إلى آخر الآية ليس هو الصلاة بل المراد التسبيح الذي هو القول والاعتقاد ، والمقصود أن يكون ذاكرا للّه في جميع الأوقات ليلا ونهارا بقلبه ولسانه ، وهو المراد من قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا
[ الأحزاب : 41 ] .
واعلم أن في الآية لطيفة أخرى وهي أنه تعالى قال :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا
[ الإنسان : 23 ] أي / هديناك إلى هذه الأسرار ، وشرحنا صدرك بهذه الأنوار ، وإذ قد فعلنا بك ذلك فكن منقادا مطيعا لأمرنا ، وإياك وأن تكون منقادا مطيعا لغيرنا ، ثم لما أمره بطاعته ، ونهاه عن طاعة غيره قال :
وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ
وهذا إشارة إلى أن العقول البشرية ليس عندها إلا معرفة الأسماء والصفات ، أما معرفة الحقيقة فلا ، فتارة يقال له :
وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ
وهو إشارة إلى معرفة الأسماء ، وتارة يقال له :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ
[ الأعراف : 205 ] وهو إشارة إلى مقام الصفات ، وأما معرفة الحقيقة المخصوصة التي هي المستلزمة لسائر اللوازم السلبية والإضافية ، فلا سبيل لشيء من الممكنات والمحدثات ، إلى الوصول إليها والاطلاع عليها ، فسبحان من اختفى عن العقول لشدة ظهوره واحتجب عنها بكمال نوره .
واعلم أنه تعالى لما خاطب رسوله بالتعظيم والنهي والأمر عدل إلى شرح أحوال الكفار والمتمردين ، فقال تعالى :
[ سورة الإنسان ( 76 ) : آية 27 ]
إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ( 27 )
والمراد أن الذي حمل هؤلاء الكفار على الكفر ، وترك الالتفات والإعراض عما ينفعهم في الآخرة ليس هو الشبهة حتى ينتفعوا بالدلائل المذكورة في أول هذه السورة ، بل الشهوة والمحبة لهذه اللذات العاجلة والراحات الدينية ، وفي الآية سؤالان :
السؤال الأول : لم قال :
وَراءَهُمْ
ولم يقل : قدامهم ؟ الجواب : من وجوه أحدها : لما لم يلتفتوا إليه ، وأعرضوا عنه فكأنهم جعلوه وراء ظهورهم وثانيها : المراد ويذرون وراءهم مصالح يوم ثقيل فأسقط المضاف وثالثها : أن تستعمل بمعنى قدام كقوله :
مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ
[ إبراهيم : 16 ]
وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ
[ الكهف :
79 ] .
السؤال الثاني : ما السبب في وصف يوم القيامة بأنه يوم ثقيل ؟ الجواب : استعير الثقل لشدته وهوله ، من الشيء الثقيل الذي يتعب حامله ونحوه
ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ الأعراف : 187 ] .
ثم إنه تعالى لما ذكر أن الداعي لهم إلى هذا الكفر حب العاجل ، قال :
[ سورة الإنسان ( 76 ) : آية 28 ]
نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً ( 28 )
والمراد أن حبهم للعاجلة يوجب عليهم طاعة اللّه من حيث الرغبة ومن حيث الرهبة ، أما من حيث الرغبة فلأنه هو الذي خلقهم وأعطاهم الأعضاء السليمة التي بها يمكن الانتفاع باللذات العاجلة ، وخلق جميع ما يمكن