المسألة الثانية : أن منتهى مراد الرجل في الآنية التي يشرب منها الصفاء والنقاء والشكل . أما الصفاء فقد ذكره اللّه تعالى بقوله :
كانَتْ قَوارِيرَا
وأما النقاء فقد ذكره بقوله :
مِنْ فِضَّةٍ
وأما الشكل فقد ذكره بقوله :
قَدَّرُوها تَقْدِيراً
.
المسألة الثالثة : المقدر لهذا التقدير من هو ؟ فيه قولان : الأول : أنهم هم الطائفون الذين دل عليهم قوله تعالى :
وَيُطافُ عَلَيْهِمْ
وذلك أنهم قدروا شرابها على قدر ري الشارب والثاني : أنهم هم الشاربون وذلك لأنهم إذا اشتهوا مقدارا من المشروب جاءهم على ذلك القدر .
واعلم أنه تعالى لما وصف أواني مشروبهم ذكر بعد ذلك وصف مشروبهم ، فقال :
[ سورة الإنسان ( 76 ) : آية 17 ]
وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً ( 17 )
العرب كانوا يحبون جعل الزنجبيل في المشروب ، لأنه يحدث فيه ضربا من اللذع ، فلما كان كذلك وصف اللّه شراب أهل الجنة بذلك ، ولا بد وأن تكون في الطيب على أقصى الوجوه . قال ابن عباس : وكل ما ذكره اللّه تعالى في القرآن مما في الجنة ، فليس منه في الدنيا إلا الاسم ، وتمام القول هاهنا مثل ما ذكرناه في قوله :
كانَ مِزاجُها كافُوراً
[ الإنسان : 5 ] .
[ سورة الإنسان ( 76 ) : آية 18 ]
عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً ( 18 )
فيه مسائل :
المسألة الأولى : قال ابن الأعرابي : لم أسمع السلسبيل إلا في القرآن ، فعلى هذا لا يعرف له اشتقاق ، وقال الأكثرون : يقال شراب سلسل وسلسال وسلسبيل أي عذب سهل المساغ ، وقد زيدت الباء في التركيب حتى صارت الكلمة خماسية « 1 » ، ودلت على غاية السلاسة ، قال الزجاج : السلسبيل في اللغة صفة لما كان في غاية السلاسة ، والفائدة في ذكر السلسبيل هو أن ذلك الشراب يكون في طعم الزنجبيل ، وليس فيه لذعة لأن نقيض اللذع هو السلاسة ، وقد عزوا إلى علي بن أبي طالب عليه السلام أن معناه : سل سبيلا إليها ، وهو بعيد إلا أن يراد أن جملة قول / القائل : سلسبيلا جعلت علما للعين ، كما قيل : تأبط شرا ، وسميت بذلك ، لأنه لا يشرب منها إلا من سأل إليها سبيلا بالعمل الصالح .
المسألة الثانية : في نصب عينا وجهان أحدهما : أنه بدل من زنجبيلا وثانيهما : أنه نصب على الاختصاص .
المسألة الثالثة : سلسبيلا صرف لأنه رأس آية ، فصار كقوله
الظُّنُونَا
[ الأحزاب : 10 ] و
السَّبِيلَا
[ الأحزاب :
67 ] وقد تقدم في هذه السورة بيان ذلك . واعلم أنه تعالى ذكر بعد ذلك من يكون خادما في تلك المجالس .
[ سورة الإنسان ( 76 ) : آية 19 ]
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً ( 19 )
فقال :
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ
وقد تقدم تفسير هذين الوصفين في سورة الواقعة والأقرب أن
هامش
( 1 ) هكذا الأصل الذي ننقل منه ، ولكن الكلمة سداسية كما ترى وهو الصواب .