بل جميع أنواع المواساة من الطعام والكسوة ، ولما ذكر تعالى طعامهم ولباسهم ، وصف مساكنهم ، ثم إن المعتبر في المساكن أمور :
أحدها : الموضع الذي يجلس فيه فوصفه بقوله :
مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ
وهي السرر في الحجال ، ولا تكون أريكة إلا إذا اجتمعت ، وفي نصب متكئين وجهان الأول : قال الأخفش : إنه نصب على الحال ، والمعنى وجزاهم جنة في حال اتكائهم كما تقول : جزاهم ذلك قياما ، والثاني : قال الأخفش : وقد يكون على المدح .
والثاني : هو المسكن فوصفه بقوله :
لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً
وفيه وجهان أحدهما : أن هواءها معتدل في الحر والبرد والثاني : أن الزمهرير هو القمر في لغة طيء هكذا رواه ثعلب وأنشد :
وليلة ظلامها قد اعتكر * قطعتها والزمهرير ما زهر
والمعنى أن الجنة ضياء فلا يحتاج فيها إلى شمس وقمر .
[ سورة الإنسان ( 76 ) : آية 14 ]
وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً ( 14 )
والثالث : كونه بستانا نزها ، فوصفه اللّه تعالى بقوله :
وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها
وفي الآية سؤالان الأول : ما السبب في نصب
وَدانِيَةً
؟ الجواب : ذكر الأخفش والكسائي والفراء والزجاج فيه وجهين أحدهما : الحال بالعطف على قوله :
مُتَّكِئِينَ
كما تقول في الدار : عبد اللّه متكئا ومرسلة عليه الحجال ، لأنه حيث قال : عليهم رجع إلى ذكرهم والثاني : الحال بالعطف على محل :
يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً
[ الإنسان : 13 ] والتقدير غير رائين فيها شمسا ولا زمهريرا ودانية عليهم ظلالها ودخلت الواو للدلالة على أن الأمرين يجتمعان لهم ، كأنه قيل : وجزاهم جنة جامعين فيها بين البعد عن الحر والبرد ، ودنو الظلال عليهم والثالث : أن يكون دانية نعتا للجنة ، والمعنى : وجزاهم جنة دانية ، وعلى هذا الجواب تكون دانية صفة لموصوف محذوف ، كأنه قيل :
وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا ، وجنة أخرى دانية عليهم ظلالها ، وذلك لأنهم وعدوا جنتين ، وذلك لأنهم خافوا بدليل قوله :
إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا
[ الإنسان : 10 ] وكل من خاف فله جنتان ، بدليل قوله :
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
[ الرحمن : 46 ] وقرئ :
وَدانِيَةً
بالرفع على أن
ظِلالُها
مبتدأ
وَدانِيَةً
خبر ، والجملة في موضع الحال ، والمعنى : لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا والحال أن ظلالها دانية عليهم .
السؤال الثاني : الظلل إنما يوجد حيث توجد الشمس ، فإن كان لا شمس في الجنة فكيف يحصل الظل هناك ؟ والجواب : أن المراد أن أشجار الجنة تكون بحيث لو كان هناك شمس لكانت تلك الأشجار مظلله منها .
قوله تعالى :
وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا
ذكروا في ذللت وجهين الأول : قال ابن قتيبة : ذللت أدنيت منهم من قولهم : حائط ذليل إذا كان قصير السمك والثاني : ظللت أي جعلت منقادة ولا تمتنع على قطافها كيف شاءوا . قال البراء بن عازب : ذللت لهم فهم يتناولون منها كيف شاءوا ، فمن أكل قائما لم يؤذه ومن أكل جالسا لم يؤده ومن أكل مضطجعا لم يؤذه .
واعلم أنه تعالى لما وصف طعامهم ولباسهم ومسكنهم وصف بعد ذلك شرابهم وقدم عليه / وصف تلك الأواني التي فيها يشربون فقال :