أبو علي الفارسي ، ولا أعرف وجه ذلك ، قال الواحدي ، والوجه أن يقال : قصد الوقف على من وبل ، فأظهرها ثم ابتدأ بما بعدهما ، وهذا غير مرضي من القراءة .
[ سورة القيامة ( 75 ) : آية 28 ]
وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ ( 28 )
قال المفسرون : المراد أنه أيقن بمفارقته الدنيا ، ولعله إنما سمي اليقين هاهنا بالظن ، لأن الإنسان ما دام يبقى روحه متعلقا ببدنه ، فإنه يطمع في الحياة لشدة حبه « 1 » لهذه الحياة العاجلة على ما قال :
كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ
[ القيامة : 20 ] ولا ينقطع رجاؤه عنها فلا يحصل له يقين الموت ، بل الظن الغالب مع رجاء الحياة ، أو لعله سماه بالظن على سبيل التهكم .
واعلم أن الآية دالة على أن الروح جوهر قائم بنفسه باق بعد موت البدن ، لأنه تعالى سمى الموت فراقا ، والفرق إنما يكون لو كانت الروح باقية ، فإن الفراق والوصال صفة ، والصفة تستدعي وجود الموصوف .
ثم قال تعالى :
[ سورة القيامة ( 75 ) : آية 29 ]
وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ( 29 )
الالتفاف هو الاجتماع ، كقوله تعالى :
جِئْنا بِكُمْ / لَفِيفاً
[ الإسراء : 104 ] وفي الساق قولان : القول الأول : أنه الأمر الشديد ، قال أهل المعاني : لأن الإنسان إذا دهمته شدة شمر لها عن ساقه ، فقيل للأمر الشديد :
ساق ، وتقول العرب : قامت الحرب على ساق ، أي اشتدت ، قال الجعدي :
أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها * وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا
ثم قال : والمراد بقوله :
الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ
أي التفت شدة مفارقة الدنيا ولذاتها وشدة الذهاب ، أو التفت شدة ترك الأهل ، وترك الولد ، وترك المال ، وترك الجاه ، وشدة شماتة الأعداء ، وغم الأولياء ، وبالجملة فالشدائد هناك كثيرة ، كشدة الذهاب إلى الآخرة والقدوم على اللّه ، أو التفت شدة ترك الأحباب والأولياء ، وشدة الذهاب إلى دار الغربة والقول الثاني : أن المراد من الساق هذا العضو المخصوص ، ثم ذكروا على هذا القول وجوها أحدها : قال الشعبي وقتادة : هما ساقاه عند الموت أما رأيته في النزع كيف يضرب بإحدى رجليه على الأخرى والثاني : قال الحسن وسعيد بن المسيب : هما ساقاه إذا التفتا في الكفن والثالث : أنه إذا مات يبست ساقاه ، والتصقت إحداهما بالأخرى .
ثم قال تعالى :
[ سورة القيامة ( 75 ) : آية 30 ]
إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ ( 30 )
المساق مصدر من ساق يسوق ، كالمقال من قال يقول ، ثم فيه وجهان أحدهما : أن يكون المراد أن المسوق إليه هو الرب والثاني : أن يكون المراد أن السائق في ذلك اليوم هو الرب ، أي سوق هؤلاء مفوض إليه .
هامش
( 1 ) في الأصل المطبوع الذي ننقل عنه ( حثه ) .