تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 731

مساهمون:

ص٧٣١
والمراد منه تقليب الحدقة نحو الجانب الذي فيه المحبوب ، فعلمنا بهذه الوجوه أن النظر المقرون بحرف إلى ليس اسما للرؤية السابع : أن قوله :
إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
معناه أنها تنظر إلى ربها خاصة ولا تنظر إلى غيره ، وهذا معنى تقديم المفعول ، ألا ترى إلى قوله :
إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ
[ القيامة : 12 ]
إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ
[ القيامة : 30 ]
أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ
[ الشورى : 53 ]
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ *
[ البقرة : 8 ]
وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ *
[ آل عمران : 28 ]
عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ *
[ الشورى : 10 ] كيف دل فيها التقديم على معنى الاختصاص ، ومعلوم أنهم ينظرون إلى أشياء لا يحيط بها الحصر ، ولا تدخل تحت العدد في موقف القيامة ، فإن المؤمنين نظارة ذلك اليوم لأنهم الآمنون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فلما دلت الآية على أن النظر ليس إلا إلى اللّه ، ودل العقل على أنهم يرون غير اللّه ، علمنا أن المراد من النظر إلى اللّه ليس هو الرؤية الثامن : قال تعالى :
وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
[ آل عمران : 77 ] ولو قال : لا يراهم كفي « 1 » ، فلما نفي النظر ، ولم ينف الرؤية دل على المغايرة ، فثبت بهذه الوجوه ، أن النظر المذكور في هذه الآية ليس هو الرؤية . المقام الثاني : في بيان التأويل المفصل ، وهو من وجهين الأول : أن يكون الناظر بمعنى المنتظر ، أي أولئك الأقوام ينتظرون ثواب اللّه ، وهو كقول القائل ، إنما أنظر إلى فلان في حاجتي والمراد أنتظر نجاحها من جهته ، وقال تعالى :
فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ
[ النمل : 35 ] وقال :
وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ
[ البقرة : 280 ] لا يقال : النظر المقرون بحرف إلى غير مستعمل في معنى الانتظار ، ولأن الانتظار غم وألم ، وهو لا يليق بأهل السعادة يوم القيامة ، لأنا نقول : الجواب : عن الأول من وجهين الأول : النظر المقرون بحرف إلى قد يستعمل بمعنى الانتظار ، والتوقع والدليل عليه أنه يقال : أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي ، والمراد منه التوقع والرجاء ، وقال الشاعر :
وإذا نظرت إليك من ملك * والبحر دونك زدتني نعما
وتحقيق الكلام فيه أن قولهم في الانتظار نظرت بغير صلة ، فإنما ذلك في الانتظار لمجيء الإنسان بنفسه ، فأما إذا كان منتظرا لرفده ومعونته ، فقد يقال فيه : نظرت إليه كقول الرجل ، وإنما نظري إلى اللّه ثم إليك ، وقد يقول ذلك من لا يبصر ، ويقول الأعمى في مثل هذا المعنى : عيني شاخصة إليك ، ثم إن سلمنا ذلك لكن لا نسلم أن المراد من ( إلى ) هاهنا حرف التعدي بل هو واحد الآلاء ، والمعنى : وجوه يومئذ ناضرة نعمة ربها منتظرة . وأما السؤال الثاني : وهو أن الانتظار غم وألم ، فجوابه أن المنتظر إذا كان فيما ينتظره على يقين من الوصول إليه ، فإنه يكون في أعظم اللذات . التأويل الثاني : أن يضمر المضاف ، والمعنى إلى ثواب ربها ناظرة ، قالوا : وإنما صرنا إلى هذا التأويل ، لأنه لما دلت الدلائل السمعية والعقلية على أنه تعالى تمتنع رؤيته وجب المصير إلى التأويل ، ولقائل أن يقول : فهذه الآية تدل أيضا على أن النظر ليس عبارة عن تقليب الحدقة ، لأنه تعالى قال : لا ينظر إليهم وليس المراد أنه
هامش
( 1 ) في المطبوعة التي ننقل منها ( ولو قال لا يراهم كفر ) وهو تحريف واضح .