نفس آدم لم تزل تلوم على فعلها الذي خرجت به من الجنة وخامسها : المراد نفوس الأشقياء حين شاهدت أحوال القيامة وأهوالها ، فإنها تلوم نفسها على ما صدر عنها من المعاصي ، ونظيره قوله تعالى :
أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ
[ الزمر : 56 ] وسادسها : أن الإنسان خلق ملولا ، فأي شيء طلبه إذا وجده مله ، فحينئذ يلوم نفسه على أني لم طلبته ، فلكثرة هذا العمل سمي بالنفس اللوامة ، ونظيره قوله تعالى :
إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً
[ المعارج : 19 - 21 ] واعلم أن قوله ( لوامة ) ينبئ عن التكرار والإعادة ، وكذا القول في لوام وعذاب وضرار .
المسألة الثالثة : اعلم أن في الآية إشكالات أحدها : ما المناسبة بين القيامة وبين النفس اللوامة ، حتى جمع اللّه بينهما في القسم ؟ وثانيها : المقسم عليه ، هو وقوع القيامة فيصير حاصلة أنه تعالى أقسم بوقوع القيامة وثالثها : لم قال :
لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ
ولم يقل : والقيامة ، كما قال في سائر السور ، والطور والذاريات والضحى ؟ والجواب : عن الأول من وجوه أحدها : أن أحوال القيامة عجيبة جدا ، ثم المقصود من إقامة القيامة إظهار أحوال النفوس اللوامة . أعني سعادتها وشقاوتها ، فقد حصل بين القيامة والنفوس اللوامة هذه المناسبة الشدية وثانيها : أن القسم بالنفس اللوامة تنبيه على عجائب أحوال النفس على ما
قال عليه الصلاة والسلام : « من عرف نفسه فقد عرف ربه »
ومن أحوالها العجيبة ، قوله تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ] وقوله :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ
إلى قوله
وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ
[ الأحزاب : 72 ] وقال قائلون :
القسم وقع بالنفس اللوامة على معنى التعظيم لها من حيث إنها أبدا تستحقر فعلها وجدها واجتهادها في طاعة اللّه ، وقال آخرون : إنه تعالى أقسم بالقيامة ، ولم يقسم بالنفس اللوامة ، وهذا على القراءة الشاذة التي رويناها عن الحسن ، فكأنه تعالى قال : أقسم بيوم القيامة تعظيما لها ، ولا أقسم بالنفس تحقيرا لها ، لأن النفس اللوامة إما أن تكون كافرة بالقيامة مع عظم أمرها ، وإما أن تكون فاسقة مقصرة في العمل ، وعلى التقديرين فإنها تكون مستحقرة .
وأما السؤال الثاني : فالجواب عنه ما ذكرنا أن المحققين قالوا : القسم بهذه الأشياء قسم بربها وخالقها في الحقيقة ، فكأنه قيل : أقسم برب القيامة على وقوع يوم القيامة .
وأما السؤال الثالث : فجوابه أنه حيث أقسم قال :
وَالطُّورِ
[ الطور : 1 ]
وَالذَّارِياتِ
[ الذاريات :
1 ] وأما هاهنا فإنه نفى كونه تعالى مقسما بهذه الأشياء ، فزال السؤال واللّه تعالى أعلم .
[ سورة القيامة ( 75 ) : الآيات 3 إلى 4 ]
أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ ( 3 ) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ ( 4 )
فيه مسائل :
المسألة الأولى : ذكروا في جواب القسم وجوها أحدها : وهو قول الجمهور أنه محذوف على تقدير ليبعثن ويدل عليه
أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ
، وثانيها : قال الحسن : وقع القسم على قوله :
بَلى قادِرِينَ
، وثالثها : وهو أقرب أن هذا ليس بقسم بل هو نفي للقسم فلا يحتاج إلى الجواب ، فكأنه تعالى يقول :
لا أقسم بكذا وكذا على شيء ، ولكني أسألك : أيحسب الإنسان ألّن نجمع عظامه .