المسألة الثالثة : تمسك أصحابنا في إثبات عذاب القبر بقوله :
أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً
وذلك من وجهين الأول : أن الفاء في قوله :
فَأُدْخِلُوا ناراً
تدل على أنه حصلت تلك الحالة عقيب الإغراق فلا يمكن حملها على عذاب الآخرة ، وإلا بطلت دلالة هذه الفاء الثاني : أنه قال :
فَأُدْخِلُوا
على سبيل الإخبار عن الماضي .
وهذا إنما يصدق لو وقع ذلك ، قال مقاتل والكلبي : معناه أنهم سيدخلون في الآخرة نارا ثم عبر عن المستقبل بلفظ الماضي لصحة كونه وصدق الوعد به كقوله :
وَنادى أَصْحابُ النَّارِ
[ الأعراف : 50 ]
وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ
[ الأعراف : 44 ] واعلم أن الذي قالوه ترك للظاهر من غير دليل . فإن قيل : إنما تركنا هذا الظاهر لدليل ، وهو أن من مات في الماء فإنا نشاهده هناك فكيف يمكن أن يقال : إنهم في تلك الساعة أدخلوا نارا ؟
والجواب : هذا الإشكال إنما جاء لاعتقاد أن الإنسان هو مجموع هذا الهيكل ، وهذا خطأ لما بينا أن هذا الإنسان هو الذي كان موجودا من أول عمره ، مع أنه كان صغير الجثة في أول عمره ، ثم إن أجزاءه دائما في التحلل والذوبان ، ومعلوم أن الباقي غير / المتبدل ، فهذا الإنسان عبارة عن ذلك الشيء الذي هو باق من أول عمره إلى الآن ، فلم لا يجوز أن يقال : إنه وإن بقيت هذه الجثة في الماء إلا أن اللّه تعالى نقل تلك الأجزاء الأصلية الباقية التي كان الإنسان المعين عبارة عنها إلى النار والعذاب .
ثم قال تعالى :
فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً
وهذا تعريض بأنهم إنما واظبوا على عبادة تلك الأصنام لتكون دافعة للآفات عنهم جالبة للمنافع إليهم ، فلما جاءهم عذاب اللّه لم ينتفعوا بتلك الأصنام ، وما قدرت تلك الأصنام على دفع عذاب اللّه عنهم ، وهو كقوله :
أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا
[ الأنبياء : 43 ] واعلم أن هذه الآية حجة على كل من عول على شيء غير اللّه تعالى .
[ سورة نوح ( 71 ) : آية 26 ]
وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ( 26 )
قال المبرد :
دَيَّاراً
لا تستعمل إلا في النفي العام ، يقال : ما بالدار ديار ولا تستعمل في جانب الإثبات ، قال أهل العربية : هو فيعال من الدور ، وأصله ديوار فقلبت الواو ياء وأدغمت إحداهما في الأخرى ، قال الفراء والزجاج : وقال ابن قتيبة : ما بها ديار أي نازل دار . ثم قال تعالى :
[ سورة نوح ( 71 ) : آية 27 ]
إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فاجِراً كَفَّاراً ( 27 )
فإن قيل : كيف عرف نوح عليه السلام ذلك ؟ قلنا : للنص والاستقراء ، أما النص فقوله تعالى :
أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ
[ هود : 35 ] وأما الاستقراء فهو أنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فعرف طباعهم وجربهم ، وكان الرجل منهم ينطلق بابنه إليه ويقول : احذر هذا فإنه كذاب ، وإن أبي أوصاني بمثل هذه الوصية ، فيموت الكبير وينشأ الصغير على ذلك ، وقوله :
وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً
فيه وجهان : أحدهما :
أنهم يكونون في علمك كذلك والثاني : أنهم سيصيرون كذلك .
[ سورة نوح ( 71 ) : آية 28 ]
رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَباراً ( 28 )
واعلم أنه عليه السلام لما دعا على الكفار قال بعده :
رَبِّ اغْفِرْ لِي
أي فيما صدر عني من ترك