لقوم نوح ، ود بالضم صنم لقريش ، وبه سمي عمرو بن عبد ود ، وأقول : على قول الليث وجب أن لا يجوز هاهنا قراءة ود بالضم لأن هذه الآيات في قصة نوح لا في أحوال قريش وقرأ الأعمش : ولا يغوثا ويعوقا بالصرف وهذه قراءة مشكلة لأنهما إن كانا عربيين أو عجميين ففيهما سببا منع الصرف ، إما التعريف ووزن الفعل ، وإما التعريف والعجمة ، فلعله صرفهما لأجل أنه وجد أخواتهما منصرفة ودا وسواعا ونسرا .
واعلم أن نوحا لما حكى عنهم أنهم قالوا لأتباعهم :
لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ
قال :
وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً
فيه وجهان : الأول : أولئك الرؤساء قد أضلوا كثيرا قبل هؤلاء الموصين [ بأن يتمسكوا ] « 1 » بعبادة الأصنام وليس هذا أول مرة اشتغلوا بالإضلال الثاني : يجوز أن يكون الضمير عائدا إلى الأصنام ، كقوله :
إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ
[ إبراهيم : 36 ] وأجرى الأصنام على هذا القول مجرى الآدميين كقوله :
أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ
[ الأعراف :
195 ] ، وأما قوله تعالى :
وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا
ففيه سؤالان :
الأول : كيف موقع قوله :
وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ
؟ الجواب : كأن نوحا عليه السلام لما / أطنب في تعديد أفعالهم المنكرة وأقوالهم القبيحة امتلأ قلبه غيظا وغضبا عليهم فختم كلامه بأن دعا عليهم .
السؤال الثاني : إنما بعث ليصرفهم عن الضلال فكيف يليق به أن يدعو اللّه في أن يزيد في ضلالهم ؟
الجواب : من وجهين : الأول : لعله ليس المراد الضلال في أمر الدين ، بل الضلال في أمر دنياهم ، وفي ترويج مكرهم وحيلهم الثاني : الضلال العذاب لقوله :
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ
[ القمر : 47 ] .
[ سورة نوح ( 71 ) : آية 25 ]
مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً ( 25 )
[ في قوله تعالى مما خطاياهم أغرقوا فأدخلوا نارا ] ثم إنه تعالى لما حكى كلام نوح عليه السلام قال بعده : مما خطاياهم أغرقوا فأدخلوا نارا وفيه مسائل :
المسألة الأولى : ( ما ) صلة كقوله :
فَبِما نَقْضِهِمْ *
[ النساء : 155 ]
فَبِما رَحْمَةٍ
[ النساء : 159 ] والمعنى من خطاياهم أي من أجلها وبسببها ، وقرأ ابن مسعود : من خطيئاتهم ما أغرقوا فأخر كلمة ما ، وعلى هذه القراءة لا تكون ما صلة زائدة لأن ما مع ما بعده في تقرير المصدر .
واعلم أن تقديم قوله : مما خطاياهم لبيان أنه لم يكن إغراقهم بالطوفان [ فإدخالهم النار ] « 2 » إلا من أجل خطيئاتهم ، فمن قال من المنجمين : إن ذلك إنما كان بسبب أنه انقضى في ذلك الوقت نصف الدور الأعظم ، وما يجري مجرى هذه الكلمات كان مكذبا لصريح هذه الآية فيجب تكفيره .
المسألة الثانية : قرئ
خَطِيئاتِهِمْ
بالهمزة وخطياتهم بقلبها ياء وإدغامها وخطاياهم وخطيئتهم بالتوحيد على إرادة الجنس ، ويجوز أن يراد به الكفر . واعلم أن الخطايا والخطيئات كلاهما جمع خطيئة ، إلا أن الأول جمع تكسير والثاني جمع سلامة ، وقد تقدم الكلام فيها في البقرة : [ 58 ] عند قوله :
نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ
وفي الأعراف : [ 161 ] عند قوله :
خَطِيئاتِكُمْ
.
هامش
( 1 ) زيادة من الكشاف 4 / 164 ط . دار الفكر .
( 2 ) زيادة من الكشاف 4 / 164 ط . دار الفكر .