مصلحتهم يوم القيامة بقوله :
وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ
[ الحشر : 18 ] وهدد الكافرين بقوله :
كَالَّذِينَ / نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ
بين الفرق بين الفريقين فقال :
[ سورة الحشر ( 59 ) : آية 20 ]
لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ ( 20 )
واعلم أن التفاوت بين هذين الفريقين معلوم بالضرورة ، فذكر هذا الفرق في مثل هذا الموضع يكون الغرض منه التنبيه على عظم ذلك الفرق ، وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : المعتزلة احتجوا على أن صاحب الكبيرة لا يدخل الجنة ، لأن الآية دلت على أن أصحاب النار وأصحاب الجنة لا يستويان ، فلو دخل صاحب الكبيرة في الجنة لكان أصحاب النار وأصحاب الجنة يستويان ، وهو غير جائز ، وجوابه معلوم .
المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن المسلم لا يقتل بالذمي ، وقد بينا وجه في الخلافيات .
[ سورة الحشر ( 59 ) : آية 21 ]
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 21 )
ثم إنه تعالى لما شرح هذه البيانات عظم أمر القرآن فقال :
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
والمعنى أنه لو جعل في الجبل عقل كما جعل فيكم ، ثم أنزل عليه القرآن لخشع وخضع وتشقق من خشية اللَّه .
ثم قال :
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
أي الغرض من ذكر هذا الكلام التنبيه على قساوة قلوب هؤلاء الكفار ، وغلظ طباعهم ، ونظير قوله :
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
[ البقرة : 74 ] واعلم أنه لما وصف القرآن بالعظم ، ومعلوم أن عظم الصفة تابع لعظم الموصوف ، أتبع ذلك بشرح عظمة اللَّه فقال :
[ سورة الحشر ( 59 ) : آية 22 ]
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ( 22 )
وقيل : السر والعلانية وقيل : الدنيا والآخرة .
اعلم أنه تعالى قدم الغيب على الشهادة في اللفظ وفيه سر عقلي ، أما المفسرون فذكروا أقوالا في الغيب والشهادة ، فقيل : الغيب المعدوم ، والشهادة الموجود ما غاب عن العباد وما شاهدوه .
[ سورة الحشر ( 59 ) : آية 23 ]
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 23 )
ثم قال :
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ
وكل ذلك قد تقدم تفسيره .
ثم قال :
الْقُدُّوسُ
قرئ : بالضم والفتح ، وهو البليغ في النزاهة في الذات والصافات ، والأفعال