يكون مقصرا ، وأما لو قيل بأنهم ناجوا من غير تقديم الصدقة ، فهذا أيضا غير جائز ، لأن المناجاة لا تمكن إلا إذا مكن الرسول من المناجاة ، فإذا لم يمكنهم من ذلك لم يقدروا على المناجاة ، فعلمنا أن الآية لا تدل على صدور التقصير منهم ، فأما قوله :
أَ أَشْفَقْتُمْ
فلا يمتنع أن اللَّه تعالى علم ضيق صدر كثير منهم عن إعطاء الصدقة في المستقبل لو دام الوجوب ، فقال هذا القول ، وأما قوله :
وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
فليس في الآية أنه تاب عليكم من هذا التقصير ، بل يحتمل أنكم إذا كنتم تائبين راجعين إلى اللَّه ، وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة ، فقد كفاكم هذا التكليف ، أما قوله :
وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
يعني محيط بأعمالكم ونياتكم .
[ سورة المجادلة ( 58 ) : آية 14 ]
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 14 )
كان المنافقون يتولون اليهود وهم الذين غضب اللَّه عليهم في قوله :
مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ
[ المائدة : 60 ] وينقلون إليهم أسرار المؤمنين :
ما هُمْ مِنْكُمْ
أيها المسلمون ولا من اليهود
وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ
والمراد من هذا الكذب إما ادعاؤهم كونهم مسلمين ، وإما أنهم كانوا يشتمون اللَّه ورسوله ويكيدون المسلمين فإذا قيل لهم : إنكم فعلتم ذلك خافوا على أنفسهم من القتل ، فيحلفون أنا ما قلنا ذلك وما فعلناه ، فهذا هو الكذب الذي يحلفون عليه .
واعلم أن هذه الآية تدل على فساد قول الجاحظ إن الخبر الذي يكون مخالفا للمخبر عنه إنما يكون كذبا لو علم المخبر كون الخبر مخالفا للمخبر عنه ، وذلك لأن لو كان الأمر على ما ذهب إليه لكان قوله :
وَهُمْ يَعْلَمُونَ
تكرارا غير مقيد ،
يروى أن عبد اللَّه بن نبتل المنافق كان / يجالس رسول اللَّه صلى اللّه عليه وسلم ثم يرفع حديثه إلى اليهود ، فبينا رسول اللَّه صلى اللّه عليه وسلم في حجرته إذ قال : يدخل عليكم رجل ينظر بعين شيطان - أو بعيني شيطان - فدخل رجل عيناه زرقاوان فقال له : لم تسبني فجعل يحلف فنزل قوله :
وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
.
[ سورة المجادلة ( 58 ) : آية 15 ]
أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 15 )
والمراد منه عند بعض المحققين عذاب القبر . ثم قال تعالى :
[ سورة المجادلة ( 58 ) : آية 16 ]
اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 16 )
وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ الحسن :
اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ
بكسر الهمزة ، قال ابن جني : هذا على حذف المضاف ، أي اتخذوا ظهار إيمانهم جنة عن ظهور نفاقهم وكيدهم للمسلمين ، أو جنة عن أن يقتلهم المسلمون ، فلما أمنوا من القتل اشتغلوا بصد الناس عن الدخول في الإسلام بإلقاء الشبهات في القلوب وتقبيح حال الإسلام .
المسألة الثانية : قوله تعالى :
فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ
أي عذاب الآخر ، وإنما حملنا قوله :
أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً
على عذاب القبر ، وقوله هاهنا :
فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ
على عذاب الآخر ، لئلا يلزم التكرار ، ومن الناس من قال : المراد من الكل عذاب الآخرة ، وهو كقوله :
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ
[ النحل : 88 ] .