[ سورة الحديد ( 57 ) : آية 28 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 28 )
اعلم أنه لما قال في الآية الأولى :
فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ
أي من قوم عيسى :
أَجْرَهُمْ
[ الحديد :
27 ] قال في هذه الآية :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
والمراد به أولئك فأمرهم أن يتقوا اللَّه ويؤمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام ثم قال :
يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ
أي نصيبين من رحمته لإيمانكم أولا بعيسى ، وثانيا بمحمد عليه الصلاة والسلام ، ونظيره قوله تعالى :
أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ
[ القصص : 54 ] عن ابن عباس أنه نزل في قوم جاءوا من اليمن من أهل الكتاب إلى الرسول وأسلموا فجعل اللَّه لهم أجرين ، وهاهنا سؤالان :
السؤال الأول : ما الكفل في اللغة ؟ الجواب : قال المؤرج : الكفل النصيب بلغة هذيل وقال غيره بل هذه لغة الحبشة ، وقال المفضل بن مسلمة : الكفل كساء يديره الراكب حول السنام حتى يتمكن من العقود على البعير .
السؤال الثاني : أنه تعالى لما آتاهم كفلين وأعطى المؤمنين كفلا واحدا كان حالهم أعظم والجواب :
روي أن أهل الكتاب افتخروا بهذا السبب على المسلمين ،
وهو ضعيف لأنه لا يبعد أن يكون النصيب الواحد أزيد قدرا من النصيبين ، فإن المال إذا قسم بنصفين كان الكفل الواحد نصفا ، وإذا قسم بمائة قسم كان الكفل الواحد جزء من مائة جزء ، فالنصيب الواحد من القسمة الأولى أزيد من عشرين نصيبا من القسمة الثانية ، فكذا هاهنا ، ثم قال تعالى :
وَيَجْعَلْ لَكُمْ
أي يوم القيامة
نُوراً تَمْشُونَ بِهِ
وهو النور المذكور في قوله
يَسْعى نُورُهُمْ
[ الحديد : 12 ]
وَيَغْفِرْ لَكُمْ
ما أسلفتم من المعاصي
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
.
[ سورة الحديد ( 57 ) : آية 29 ]
لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 29 )
فيه مسألتان :
المسألة الأولى : قال الواحدي هذه الآية مشكلة وليس للمفسرين فيها كلام واضح في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها .
واعلم أن أكثر المفسرين على أن ( لا ) هاهنا صلة زائدة ، والتقدير : ليعلم أهل الكتاب ، وقال أبو مسلم الأصفهاني وجمع آخرون : هذه الكلمة ليس بزائدة ، ونحن نفسر الآية على القولين بعون اللَّه تعالى وتوفيقه .
أما القول المشهور : وهو أن هذه اللفظة زائدة ، فاعلم أنه لا بد هاهنا من تقديم مقدمة وهي : أن أهل الكتاب وهم بنو إسرائيل كانوا يقولون : الوحي والرسالة فينا ، والكتاب والشرع ليس إلا لنا ، واللَّه تعالى خصنا بهذه الفضيلة العظيمة من بين جميع العالمين ، إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى لما أمر أهل الكتاب بالإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام وعدهم / بالأجر العظيم على ذلك الإيمان أتبعه بهذه الآية ، والغرض منها أن يزيل عن قلبهم اعتقادهم بأن النبوة مختصة بهم وغير حاصلة إلا في قومهم ، فقال : إنما بالغنا في هذا البيان ، وأطنبنا في الوعد والوعيد ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على تخصيص فضل اللَّه بقوم معينين ، ولا يمكنهم حصر الرسالة