وجدانه أعسر كانت الحاجة إليه أقل ، والجواهر لما كانت الحاجة إليها قليلة جدا ، لا جرم كانت عزيزة جدا ، فعلمنا أن كل شيء كانت الحاجة إليه أكثر كان وجدانه أسهل ، ولما كانت الحاجة إلى رحمة اللَّه تعالى أشد من الحاجة إلى كل شيء فنرجو من فضله أن يجعلها أسهل الأشياء وجدانا ، قال الشاعر :
سبحان من خص العزيز بعزه * والناس مستغنون عن أجناسه
وأذل أنفاس الهواء وكل ذي * نفس فمحتاج إلى أنفاسه
ثم قال تعالى :
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : المعنى وليعلم اللَّه من ينصره ، أي ينصر دينه ، وينصر رسله باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين بالغيب أي غائبا عنهم . قال ابن عباس : ينصرونه ولا يبصرونه ، ويقرب منه قوله تعالى :
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ
[ محمد : 7 ] .
المسألة الثانية : احتج من قال بحدوث علم اللَّه بقوله :
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ
والجواب عنه أنه تعالى أراد بالعلم المعلوم ، فكأنه تعالى قال : ولتقع نصرة الرسول عليه الصلاة والسلام ممن ينصره .
المسألة الثالثة : قال الجبائي : قوله تعالى :
لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ
فيه دلالة على أنه تعالى أنزل الميزان والحديد ، ومراده من العباد أن يقوموا بالقسط وأن ينصروا الرسول ، وإذا كان هذا مراده من الكل فقد بطل قول المجبرة أنه أراد من بعضهم خلاف ذلك جوابه : أنه كيف يمكن أن يريد من الكل ذلك مع علمه بأن ضده موجود ، وأن الجمع بين الضدين محال ، وأن المحال غير مراد .
المسألة الرابعة : لما كانت النصرة قد تكون ظاهرة ، كما يقع من منافق أو ممن مراده المنافع في الدنيا ، بين تعالى أن الذي أراده النصرة بالغيب ، ومعناه أن تقع عن إخلاص بالقلب ، ثم بين تعالى أنه قوي على الأمور عزيز لا يمانع .
[ سورة الحديد ( 57 ) : آية 26 ]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ( 26 )
قوله تعالى :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ
واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه أرسل الرسل بالبينات والمعجزات ، وأنه أنزل الميزان والحديد ، وأمر الخلق بأن / يقوموا بنصرتهم أتبع ذلك ببيان سائر الأشياء التي أنعم بها عليهم ، فبين أنه تعالى شرف نوحا وإبراهيم عليهما السلام بالرسالة ، ثم جعل في ذريتهما النبوة والكتاب فما جاء بعدهما أحد بالنبوة إلا وكان من أولادهما ، وإنما قدم النبوة على الكتاب ، لأن كمال حال النبي أن يصير صاحب الكتاب والشرع .
ثم قال تعالى :
فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ
وفيه مسائل :
المسألة الأولى :
فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ
أي فمن الذرية أو من المرسل إليهم ، وقد دل عليهم ذكر الإرسال والمرسلين ، والمعنى أن منهم مهتد ومنهم فاسق ، والغلبة للفساق ، وفي الفاسق هاهنا قولان : الأول : أنه الذي ارتكب الكبيرة سواء كان كافرا أو لم يكن ، لأن هذا الاسم يطلق على الكافر وعلى من لا يكون ، كذلك إذا كان