عند الأكثرين لبيان الإعادة ، وقوله تعالى :
ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى
[ النجم : 41 ] كذلك فيكون ذكر النشأة الأخرى إعادة ، ولأنه تعالى قال بعد هذا :
وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى
[ النجم : 48 ] وهذا من أحوال الدنيا ، وعلى ما ذكرنا يكون الترتيب في غاية الحسن فإنه تعالى يقول : خلق الذكر والأنثى ونفخ فيهما الروح الإنسانية الشريفة ثم أغناه بلبن الأم وبنفقة الأب في صغره ، ثم أقناه بالكسب بعد كبره ، فإن قيل : فقد وردت النشأة الأخرى للحشر في قوله تعالى :
فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ
[ العنكبوت : 20 ] نقول الآخرة من الآخر لا من الآخر لأن الآخر أفعل ، وقد تقدم على أن هناك لما ذكر البدء حمل على الإعادة وهاهنا ذكر خلقه من نطفة ، كما في قوله :
ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً
ثم قال :
أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ
[ المؤمنون : 14 ] وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : ( على ) للوجوب ، ولا يجب على اللّه الإعادة ، فما معنى قوله تعالى :
وَأَنَّ عَلَيْهِ
/ قال الزمخشري على ما هو مذهبه عليه عقلا ، فإن من الحكمة الجزاء ، وذلك لا يتم إلا بالحشر ، فيجب عليه عقلا الإعادة ، ونحن لا نقول بهذا القول ، ونقول فيه ووجهان الأول : عليه بحكم الوعد فإنه تعالى قال :
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى
[ يس : 12 ] فعليه بحكم الوعد لا بالعقل ولا بالشرع الثاني : عليه للتعيين فإن من حضر بين جمع وحاولوا أمرا وعجزوا عنه ، يقال : وجب عليك إذن أن تفعله أي تعينت له .
المسألة الثانية : قرئ :
النَّشْأَةَ
على أنه مصدر كالضربة على وزن فعلة وهي للمرة ، نقول : ضربته ضربتين ، أي مرة بعد مرة ، يعني النشأة مرة أخرى عليه ، وقرئ النشأة بالمد على أنه مصدر على وزن فعالة كالكفالة ، وكيفما قرئ فهي من نشأ ، وهو لازم وكان الواجب أن يقال : عليه الإنشاء لا النشأة ، نقول فيه فائدة وهي أن الجزم يحصل من هذا بوجود الخلق مرة أخرى ، ولو قال : عليه الإنشاء ربما يقول قائل : الإنشاء من باب الإجلاس ، حيث يقال في السعة أجلسته فما جلس ، وأقمته فما قام فيقال : أنشأ وما نشأ أي قصده لينشأ ولم يوجد ، فإذا قال : عليه النشأة أي يوجد النشء ويحققه بحيث يوجد جزما .
المسألة الثالثة : هل بين قول القائل : عليه النشأة مرة أخرى ، وبين قوله : عليه النشأة الأخرى فرق ؟
نقول : نعم إذا قال : عليه النشأة مرة أخرى لا يكون النشء قد علم أولا ، وإذا قال :
عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى
يكون قد علم حقيقة النشأة الأخرى ، فنقول ذلك المعلوم عليه . ثم قال تعالى :
[ سورة النجم ( 53 ) : آية 48 ]
وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى ( 48 )
وقد ذكرنا تفسيره فنقول :
أَغْنى
يعني دفع حاجته ولم يتركه محتاجا لأن الفقير في مقابلة الغني ، فمن لم يبق فقيرا بوجه من الوجوه فهو غني مطلقا ، ومن لم يبق فقيرا من وجه فهو غني من ذلك الوجه ،
قال صلى اللّه عليه وسلم : « أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم »
وحمل ذلك على زكاة الفطر ، ومعناه إذا أتاه ما احتاج إليه ، وقوله تعالى :
أَقْنى
معناه وزاد عليه الإقناء فوق الإغناء ، والذي عندي أن الحروف متناسبة في المعنى ، فنقول لما كان مخرج القاف فوق مخرج الغين جعل الإقناء لحالة فوق الإغناء ، وعلى هذا فالإغناء هو ما آتاه اللّه من العين واللسان ، وهداه إلى الارتضاع في صباه أو هو ما أعطاه اللّه تعالى من القوت واللباس المحتاج إليهما وفي الجملة كل ما دفع اللّه به الحاجة فهو إغناء ، وكل ما زاد عليه فهو إقناء . ثم قال تعالى :