تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
السورة :
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ
[ الواقعة : 96 ] ثالثها : أنه تعالى ذكر جميع اللذات في الجنات ، ولم يذكر لذة السماع وهي من أتم أنواعها ، فقال :
مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ
يسمعون ذكر اللّه تعالى . المسألة الثانية : أصل التبارك من البركة وهي الدوام والثبات ، ومنها بروك البعير وبركة الماء ، فإن الماء يكون فيها دائما وفيه وجوه أحدها : دام اسمه وثبت وثانيها : دام الخير عنده لأن البركة وإن كانت من الثبات لكنها تستعمل في الخير وثالثها : تبارك بمعنى علا وارتفع شأنا لا مكانا . المسألة الثالثة : قال بعد ذكر نعم الدنيا :
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ
[ الرحمن : 27 ] وقال بعد ذكر نعم الآخرة :
تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ
لأن الإشارة بعد عد نعم الدنيا وقعت إلى عدم كل شيء من الممكنات وفنائها في ذواتها ، واسم اللّه تعالى ينفع الذاكرين ولا ذاكر هناك يوحد اللّه غاية التوحيد فقال : ويبقى وجه اللّه تعالى والإشارة هنا ، وقعت إلى أن بقاء أهل الجنة بإبقاء اللّه ذاكرين اسم اللّه متلذذين به فقال :
تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ
أي في ذلك اليوم لا يبقى اسم أحد إلا اسم اللّه تعالى به تدور الألسن ولا يكون لأحد عند أحد حاجة بذكره ولا من أحد خوف ، فإن تذاكروا تذاكروا باسم اللّه . المسألة الرابعة : الاسم مقحم أو هو أصل مذكور له التبارك ، نقول : فيه وجهان أحدهما : وهو المشهور أنه مقحم كالوجه في قوله تعالى :
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ
يدل عليه قوله :
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
[ المؤمنين : 14 ] و :
تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ
[ الملك : 1 ] وغيره من صور استعمال لفظ تبارك وثانيهما : هو أن الاسم تبارك ، وفيه إشارة إلى معنى بليغ ، أما إذا قلنا : تبارك بمعنى علا فمن علا اسمه كيف يكون مسماه وذلك لأن الملك إذا عظم شأنه لا يذكر اسمه إلا بنوع تعظيم ثم إذا انتهى الذاكر إليه يكون تعظيمه له أكثر ، فإن غاية التعظيم للاسم أن السامع إذا سمعه قام كما جرت عادة الملوك أنهم إذا سمعوا في الرسائل اسم سلطان عظيم يقومون عند سماع اسمه ، ثم إن أتاهم السلطان بنفسه بدلا عن كتابه الذي فيه اسمه يستقبلونه ويضعون الجباه على الأرض بين يديه ، وهذا من الدلائل الظاهرة على أن علو الاسم يدل على علو زائد في المسمى ، أما إن قلنا : بمعنى دام الخير عنده فهو إشارة إلى أن ذكر اسم اللَّه تعالى يزيل الشر ويهرب الشيطان ويزيد الخير ويقرب السعادات ، وأما إن قلنا : بمعنى دام اسم اللَّه ، فهو إشارة إلى دوام الذاكرين في الجنة على ما قلنا من قبل . المسألة الخامسة : القراءة المشهورة هاهنا :
ذِي الْجَلالِ
وفي قوله تعالى :
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ
لأن الجلال للرب ، والاسم غير المسمى ، وأما وجه الرب فهو الرب فوصف هناك الوجه ووصف هاهنا الرب ، دون الاسم ولو قال : ويبقى الرب للتوهم أن الرب إذا بقي ربا فله في ذلك الزمان مربوب ، فإذا قال وجه أنسى المربوب فحصل القطع بالبقاء للحق فوصف الوجه يفيد هذه الفائدة ، واللَّه أعلم والحمد للَّه رب العالمين وصلاته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلامه .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 383 | فخر الدين الرازي