النظير ، أو المحتاج إليه القليل الوجود ، يقال عز الشيء إذا قل وجوده مع أنه محتاج إليه ، فالنصر كان محتاجا إليه ومثله لم يوجد وهو أخذ بيت اللّه من الكفار المتمكنين فيه من غير عدد .
أما المسألة المعنوية : وهي أن اللّه تعالى لما قال :
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ
أبرز الفاعل وهو اللّه ، ثم عطف عليه بقوله
وَيُتِمَّ
وبقوله
وَيَهْدِيَكَ
ولم يذكر لفظ اللّه على الوجه الحسن في الكلام ، وهو أن الأفعال الكثيرة إذا صدرت من فاعل يظهر اسمه في الفعل الأول ، ولا يظهر فيما بعده تقول : جاء زيد وتكلم ، وقام وراح ، ولا تقول : جاء زيد ، وقعد زيد اختصارا للكلام بالاقتصار على الأول ، وهاهنا لم يقل وينصرك نصرا ، بل أعاد لفظ اللّه ، فنقول هذا إرشاد إلى طريق النصر ، ولهذا قلما ذكر اللّه النصر من غير إضافة ، فقال تعالى :
بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ
[ الروم : 5 ] ولم يقل بالنصر ينصر ، وقال :
هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ
[ الأنفال : 62 ] ولم يقل بالنصر ، وقال :
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
[ النصر : 1 ] وقال :
نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ
[ الصف : 13 ] ولم يقل نصر وفتح ، وقال :
وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ *
[ الأنفال : 10 ] وهذا أدل الآيات على مطلوبنا ، وتحقيقه هو أن النصر بالصبر ، والصبر باللّه ، قال تعالى :
وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ
[ النحل : 127 ] وذلك لأن الصبر سكون القلب واطمئنانه ، وذلك بذكر اللّه ، كما قال تعالى :
أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
[ الرعد : 28 ] فلما قال هاهنا وينصرك اللّه ، أظهر لفظ اللّه ذكرا للتعليم أن بذكر اللّه يحصل اطمئنان القلوب ، وبه يحصل الصبر ، وبه يتحقق النصر ، وهاهنا مسألة أخرى وهو أن اللّه تعالى قال :
إِنَّا فَتَحْنا
ثم قال :
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ
ولم يقل إنا فتحنا لنغفر لك تعظيما لأمر الفتح ، وذلك لأن المغفرة وإن كانت عظيمة لكنها عامة لقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً
[ الزمر : 53 ] وقال :
وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ *
[ النساء : 48 ] ولئن قلنا بأن المراد من المغفرة في حق النبي عليه السلام العصمة ، فذلك لم يختص بنبينا ، بل غيره من الرسل كان معصوما ، وإتمام / النعمة كذلك ، قال اللّه تعالى :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
[ المائدة : 3 ] وقال :
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ *
[ البقرة : 47 ] وكذلك الهداية قال اللّه تعالى :
يَهْدِي مَنْ يَشاءُ *
« 1 » [ القصص : 56 ] فعمم ، وكذلك النصر قال اللّه تعالى :
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ
[ الصافات : 171 ، 172 ] وأما الفتح فلم يكن لأحد غير النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فعظمه بقوله تعالى :
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً
وفيه التعظيم من وجهين أحدهما : إنا وثانيهما :
لك أي لأجلك على وجه المنة . ثم قال تعالى :
[ سورة الفتح ( 48 ) : آية 4 ]
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 4 )
لما قال تعالى :
وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ
[ الفتح : 3 ] بين وجه النصر ، وذلك لأن اللّه تعالى قد ينصر رسله بصيحة يهلك بها أعداءهم ، أو رجفة تحكم عليهم بالفناء ، أو جند يرسله من السماء ، أو نصر وقوة وثبات قلب يرزق المؤمنين به ، ليكون لهم بذلك الثواب الجزيل فقال :
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ
أي تحقيقا للنصر ، وفي السكينة وجوه أحدها : هو السكون الثاني : الوقار للّه ولرسول اللّه وهو من السكون الثالث : اليقين والكل من السكون وفيه مسائل :
هامش
( 1 ) في تفسير الرازي المطبوع ( يهدي إليه من يشاء ) وهو خطأ وما أثبتناه هو الصواب من المعجم المفهرس .