بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
سورة الفتح
وهي عشرون وتسع آيات مدنية
[ سورة الفتح ( 48 ) : الآيات 1 إلى 3 ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ( 1 ) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 2 ) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً ( 3 )
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في الفتح وجوه : أحدها : فتح مكة وهو ظاهر وثانيها : فتح الروم وغيرها وثالثها : المراد من الفتح صلح الحديبية ورابعها : فتح الإسلام بالحجة والبرهان ، والسيف والسنان وخامسها : المراد منه الحكم كقوله
رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ
[ الأعراف : 89 ] وقوله
ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ
[ سبأ : 26 ] والمختار من الكل وجوه : أحدها : فتح مكة ، والثاني : فتح الحديبية ، والثالث : فتح الإسلام بالآية والبيان والحجة والبرهان . والأول مناسب لآخر ما قبلها من وجوه أحدها : أنه تعالى لما قال :
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
. إلى أن قال :
وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ
[ محمد : 38 ] بيّن تعالى أنه فتح لهم مكة وغنموا ديارهم وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا ولو بخلوا لضاع عليهم ذلك فلا يكون بخلهم إلا على أنفسهم ثانيها : لما قال :
وَاللَّهُ مَعَكُمْ
وقال :
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ
[ محمد : 35 ] بيّن برهانه بفتح مكة ، فإنهم كانوا هم الأعلون ثالثها : لما قال تعالى :
فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ
[ محمد : 35 ] وكان معناه لا تسألوا الصلح من عندكم ، بل اصبروا فإنهم يسألون الصلح ويجتهدون فيه كما كان يوم الحديبية وهو المراد بالفتح في أحد الوجوه ، وكما كان فتح مكة حيث أتى صناديد قريش مستأمنين ومؤمنين ومسلمين ، فإن قيل : إن كان المراد فتح مكة ، فمكة لم تكن قد فتحت ، فكيف قال تعالى :
فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً
بلفظ الماضي ؟ نقول : الجواب عنه من وجهين : أحدهما : فتحنا في حكمنا وتقديرنا ثانيهما : ما قدره اللّه تعالى فهو كائن ، فأخبر بصيغة الماضي إشارة إلى أنه أمر لا دافع له ، واقع لا رافع له .
المسألة الثانية : قوله
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ
ينبئ عن كون الفتح سببا للمغفرة ، والفتح لا يصلح سببا للمغفرة ، فما الجواب عنه ؟ نقول : الجواب عنه من وجوه : الأول : ما قيل إن الفتح لم يجعله سببا للمغفرة وحدها ، بل هو سبب لاجتماع الأمور المذكورة وهي : المغفرة ، وإتمام النعمة والهداية والنصرة ، كأنه تعالى