عليهم القرآن ، فصرف اللّه إليه نفرا من الجن ليستمعوا منه القرآن وينذروا قومهم .
ويتفرع على ما ذكرناه فروع الأول : نقل عن القاضي في تفسيره الجن أنه قال : إنهم كانوا يهودا ، لأن في الجن مللا كما في الإنس من اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأصنام ، وأطبق المحققون على أن الجن مكلفون ، سئل ابن عباس : هل للجن ثواب ؟ فقال نعم لهم ثواب وعليهم عقاب ، يلتقون في الجنة ويزدحمون على أبوابها الفرع الثاني : قال صاحب « الكشاف » : النفر دون العشرة ويجمع على أنفار ، ثم روى محمد بن جرير الطبري عن ابن عباس : أن أولئك الجن كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين ، فجعلهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رسلا إلى قومهم ، وعن زر ابن حبيش كانوا تسعة أحدهم ذوبعة ، وعن قتادة ذكر لنا أنهم صرفوا إليه من ساوة الفرع الثالث : اختلفوا في أنه هل كان عبد اللّه بن مسعود مع النبي صلى اللّه عليه وسلم ليلة الجن ؟ والروايات فيه مختلفة ومشهورة الفرع الرابع :
روى القاضي في « تفسيره » عن أنس قال : « كنت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في جبال مكة إذ أقبل شيخ متوكئ على عكازة ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم مشية جني ونغمته ، فقال أجل ، فقال من أي الجن أنت ؟ فقال أنا هامة بن هيم بن لا قيس بن إبليس ، فقال لا أرى بينك وبين إبليس إلا أبوين فكم أتى عليك ؟ فقال أكلت عمر الدنيا إلا أقلها ، وكنت وقت قتل قابيل هابيل أمشي بين الآكام ، وذكر كثيرا مما مرّ به ، وذكر في جملته أن قال : قال لي عيسى بن مريم إن لقيت محمدا فأقرئه مني السلام ، وقد بلغت سلامه وآمنت بك ، فقال عليه السلام ، وعلى عيسى السلام ، وعليك يا هامة ما حاجتك ؟ فقال إن موسى عليه السلام علمني التوراة ، وعيسى علمني الإنجيل ، فعلمني القرآن ، فعلمه عشر سور ، وقبض صلى اللّه عليه وسلم ولم ينعه »
قل عمر بن الخطاب ولا أراه إلا حيا واعلم أن تمام الكلام في قصة الجن مذكور في سورة الجن .
المسألة الثانية : اختلفوا في تفسير قوله
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ
فقال بعضهم : لما لم يقصد الرسول صلى اللّه عليه وسلم قراءة القرآن عليهم ، فهو تعالى ألقى في قلوبهم ميلا وداعية إلى استماع القرآن ، فلهذا السبب قال :
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ
.
ثم قال تعالى :
فَلَمَّا حَضَرُوهُ
الضمير للقرآن أو لرسول اللّه
قالُوا
أي قال بعضهم لبعض
أَنْصِتُوا
أي اسكتوا مستمعين ، يقال أنصت لكذا واستنصت له ، فلما فرغ من القراءة
وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ
ينذرونهم ، وذلك لا يكون إلا بعد إيمانهم ، لأنهم لا يدعون غيرهم إلى استماع القرآن والتصديق به إلا وقد آمنوا ، فعنده
قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى
ووصفوه بوصفين الأول : كونه
مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ
أي مصدقا لكتب الأنبياء ، والمعنى أن كتب سائر الأنبياء كانت مشتملة على الدعوة إلى التوحيد والنبوّة والمعاد والأمر بتطهير الأخلاق فكذلك هذا الكتاب مشتمل على هذه المعاني الثاني : قوله
يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ
.
واعلم أن الوصف الأول يفيد أن هذا الكتاب يماثل سائر الكتب الإلهية في الدعوة إلى هذه المطالب العالية الشريفة ، والوصف الثاني يفيد أن هذه المطالب التي اشتمل القرآن عليها مطلب حقة صدق في أنفسها ، يعلم كل أحد بصريح عقله كونها كذلك ، سواء وردت الكتب الإلهية قبل ذلك بها أو لم ترد ، فإن قالوا كيف قالوا
مِنْ بَعْدِ مُوسى
؟ قلنا قد نقلنا عن الحسن إنه قال إنهم كانوا على اليهودية ، وعن ابن عباس أن الجن ما سمعت أمر عيسى فلذلك قالوا من بعد موسى ، ثم إن الجن لما وصفوا القرآن بهذه الصفات الفاضلة قالوا
يا