تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
تعالى :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
[ الأنفال : 33 ] فكيف يبقى التخويف حاصلا ؟ قلنا : قوله
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
إنما أنزل في آخر الأمر فكان التخويف حاصلا قبل نزوله . ثم إنه تعالى خوف كفار مكة ، وذكر فضل عاد بالقوة والجسم عليهم فقال :
وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ
قال المبرّد ما في قوله
فِيما
بمنزلة الذي . و
إِنْ
بمنزلة ما والتقدير : ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه ، والمعنى أنهم كانوا أشد منكم قوة وأكثر منكم أموالا ، وقال ابن قتيبة كلمة إن زائدة . والتقدير ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ، وهذا غلط لوجوه الأول : أن الحكم بأن حرفا من كتاب اللّه عبث لا يقول به عاقل والثاني : أن المقصود من هذا الكلام أنهم كانوا أقوى منكم قوة ، ثم إنهم مع زيادة القوة ما نجوا من عقاب اللّه فكيف يكون حالكم ، وهذا المقصود إنما يتم لو دلّت الآية على أنهم كانوا أقوى قوة من قوم مكة الثالث : أن سائر الآيات تفيد هذا المعنى ، قال تعالى :
هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً
[ مريم : 74 ] وقال :
كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ
[ غافر : 82 ] . ثم قال تعالى :
وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً
والمعنى أنا فتحنا عليهم أبواب النعم وأعطيناهم سمعا فما استعملوه في سماع الدلائل ، وأعطيناهم أبصارا فما استعملوها في تأمل العبر ، وأعطيناهم أفئدة فما استعملوها في طلب معرفة اللّه تعالى ، بل صرفوا كل هذه القوى إلى طلب الدنيا ولذاتها ، فلا جرم ما أغنى سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من عذاب اللّه شيئا . ثم بيّن تعالى أنه إنما لم يغن عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم لأجل أنهم كانوا يجحدون بآيات اللّه ، وقوله
إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ
بمنزلة التعليل ، ولفظ إذ قد يذكر لإفادة التعليل تقول : ضربته إذ أساء ، والمعنى ضربته لأنه أساء ، وفي هذه الآية تخويف لأهل مكة فإن قوم عاد لما اغتروا بدنياهم وأعرضوا عن قبول الدليل والحجة نزل بهم عذاب اللّه ، ولم تغن عنهم قوتهم ولا كثرتهم ، فأهل مكة مع عجزهم وضعفهم أولى بأن يحذروا من عذاب اللّه تعالى ويخافوا . ثم قال تعالى :
وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
يعني أنهم كانوا يطلبون نزول العذاب وإنما كانوا يطلبونه على سبيل الاستهزاء واللّه أعلم .

[ سورة الأحقاف ( 46 ) : الآيات 27 إلى 28 ]

وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 27 ) فَلَوْ لا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 28 ) اعلم أن المراد ولقد أهلكنا ما حولكم يا كفار مكة من القرى ، وهي قرى عاد وثمود باليمن والشام
وَصَرَّفْنَا الْآياتِ
بيناها لهم
لَعَلَّهُمْ
أي لعلّ أهل القرى يرجعون ، فالمراد بالتصريف الأحوال الهائلة التي وجدت قبل الإهلاك . قال الجبائي : قوله
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
معناه لكي يرجعوا عن كفرهم ، دل بذلك على أنه تعالى أراد رجوعهم ولم يرد إصرارهم والجواب : أنه فعل ما لو فعله غيره لكان ذلك لأجل الإرادة المذكورة ، وإنما ذهبنا إلى هذا التأويل للدلائل الدالة على أنه سبحانه مريد لجميع الكائنات . ثم قال تعالى :
فَلَوْ لا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً
القربان ما يتقرب به إلى اللّه تعالى ،