تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
المسألة الثانية : إن كان المراد محمدا ، فلو قال ما زاغ قلبه كان يحصل به فائدة قوله
ما زاغَ الْبَصَرُ
؟ نقول لا ، وذلك لأن من يحضر عند ملك عظيم يرى من نفسه أنه يهابه ويرتجف إظهارا لعظمته مع أن قلبه قوي ، فإذا قال :
ما زاغَ الْبَصَرُ
يحصل منه فائدة أن الأمر كان عظيما ، ولم يزغ بصره من غير اختيار من صاحب البصر . المسألة الثالثة :
وَما طَغى
عطف جملة مستقلة على جملة أخرى ، أو عطف جملة مقدرة على جملة ، مثال المستقلة : خرج زيد ودخل عمرو ، ومثال مقدرة : خرج زيد ودخل ، فنقول الوجهان جائزان أما الأول : فكأنه تعالى قال عند ظهور النور : ما زاغ بصر محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وما طغى محمد بسبب الالتفات ، ولو التفت لكان طاغيا وأما الثاني : فظاهر على الأوجه ، أما على قولنا : غشي السدرة جراد فلم يلتفت إليه
وَما طَغى
أي ما التفت إلى غير اللّه ، فلم يلتفت إلى الجراد ، ولا إلى غير الجراد سوى اللّه . وأما على قولنا غشيها نور ، فقوله
ما زاغَ
أي ما مال عن الأنوار
وَما طَغى
أي ما طلب شيئا وراءها وفيه لطيفة وهي أن اللّه تعالى قال : ما زاغ وما طغى ، ولم يقل : ما مال وما جاوز ، لأن الميل في ذلك الموضع والمجاوزة مذمومان ، فاستعمل الزيغ والطغيان فيه ، وفيه وجه آخر وهو أن يكون ذلك بيانا لوصول محمد صلى اللّه عليه وسلم إلى سدرة اليقين الذي لا يقين فوقه ، ووجه ذلك أن بصر محمد صلى اللّه عليه وسلم ما زاغ أي ما مال عن الطريق ، فلم ير الشيء على خلاف ما هو عليه ، بخلاف من ينظر إلى عين الشمس مثلا ، ثم ينظر إلى شيء أبيض ، فإنه يراه أصفر أو أخضر يزيغ بصره عن جادة الأبصار
وَما طَغى
ما تخيل المعدوم موجودا فرأى المعدوم مجاوزا الحد . / ثم قال تعالى :

[ سورة النجم ( 53 ) : آية 18 ]

لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى ( 18 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : فيه دليل على أن النبي صلى اللّه عليه وسلم رأى ليلة المعراج آيات اللّه ولم ير اللّه ، وفيه خلاف ووجهه : هو أن اللّه تعالى ختم قصة المعراج هاهنا برؤية الآيات ، وقال :
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا
إلى أن قال :
لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا
[ الإسراء : 1 ] ولو كان رأى ربه لكان ذلك أعظم ما يمكن ، فكانت الآية الرؤية ، وكان أكبر شيء هو الرؤية ، ألا ترى أن من له مال يقال له : سافر لتربح ، ولا يقال : سافر لتتفرج ، لما أن الربح أعظم من التفرج . المسألة الثانية : قال بعض المفسرين
لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى
وهي أنه رأى جبريل عليه السلام في صورته ، فهل هو على ما قاله ؟ نقول الظاهر أن هذه الآيات غير تلك ، وذلك لأن جبريل عليه السلام وإن كان عظيما ، لكن ورد في الأخبار أن للّه ملائكة أعظم منه ، والكبرى تأنيث الأكبر ، فكأنه تعالى يقول : رأى من آيات ربه آيات هن أكبر الآيات ، فإن قيل قال اللّه تعالى :
إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ
[ المدثر : 35 ] مع أن أكبر من سقر عجائب اللّه ، فكذلك الآيات الكبرى تكون جبريل وما فيه ، وإن كان للّه آيات أكبر منه نقول سقر إحدى الكبر أي إحدى الدواهي الكبر ، ولا شك أن في الدواهي سقر عظيمة كبيرة ، وأما آيات اللّه فليس جبريل أكبرها ولأن سقر في نفسها أعظم وأعجب من جبريل عليه السلام فلا يلزم من صفتها بالكبر صفتها بالكبرى . المسألة الثالثة : ( الكبرى ) صفة ما ذا ؟ نقول فيه وجهان أحدهما : صفة محذوف تقديره : لقد رأى من آيات
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 246 | فخر الدين الرازي