المسألة الأولى : العامل في
إِذْ
ما قبلها أو ما بعدها فيه وجهان ، فإن قلنا ما قبلها ففيه احتمالان :
أظهرهما
رَآهُ
[ النجم : 13 ] أي رآه وقت ما يغشى السدرة الذي يغشى ، والاحتمال الآخر العامل فيه الفعل الذي في النزلة ، تقديره رآه نزلة أخرى تلك النزلة وقت ما يغشى السدرة ما يغشى ، أي نزوله لم يكن إلا بعد ما ظهرت العجائب عند السدرة وغشيها ما غشى فحينئذ نزل محمد نزلة إشارة إلى أنه لم يرجع من غير فائدة ، وإن قلنا ما بعده ، فالعامل فيه
ما زاغَ الْبَصَرُ
[ النجم : 17 ] أي ما زاغ بصره وقت غشيان السدرة ما غشيها ، وسنذكره عند تفسير الآية .
المسألة الثانية : قد ذكرت أن في بعض الوجوه
سِدْرَةِ الْمُنْتَهى
هي الحيرة القصوى ، وقوله
يَغْشَى السِّدْرَةَ
على ذلك الوجه ينادي بالبطلان ، فهل يمكن تصحيحه ؟ نقول يمكن أن يقال المراد من الغشيان غشيان حالة على حالة ، أي ورد على حالة الحيرة حالة الرؤية واليقين ، ورأى محمد صلى اللّه عليه وسلم عندما حار العقل ما رآه وقت ما طرأ على تلك الحالة ما طرأ من فضل اللّه تعالى ورحمته ، والأول هو الصحيح ، فإن النقل الذي ذكرنا من أن السدرة نبقها كقلال هجر يدل على أنها شجرة .
المسألة الثالثة : ما الذي غشى السدرة ؟ نقول فيه وجوه الأول : فراش أو جراد من ذهب وهو ضعيف ، لأن ذلك لا يثبت إلا بدليل سمعي ، فإن صح فيه خبر فلا يبعد من جواز التأويل ، وإن لم يصح فلا وجه له الثاني :
الذي يغشى السدرة ملائكة يغشونها كأنهم طيور ، وهو قريب ، لأن المكان مكان لا يتعداه الملك ، فهم يرتقون إليه متشرفين به متبركين زائرين ، كما يزور الناس الكعبة فيجتمعون عليها الثالث : أنوار اللّه تعالى ، وهو ظاهر ، لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما وصل إليها تجلى ربه لها ، كما تجلى للجبل ، وظهرت الأنوار ، لكن السدرة كانت أقوى من الجبل وأثبت ، فجعل الجبل دكا ، ولم تتحرك الشجرة ، وخر موسى صعقا ، ولم يتزلزل محمد الرابع : هو مبهم للتعظيم ، يقول القائل : رأيت ما رأيت عند الملك ، يشير إلى الإظهار من وجه ، وإلى الإخفاء من وجه .
المسألة الرابعة :
يَغْشَى
يستر ، ومنه الغواشي أو من معنى الإتيان ، يقال فلا يغشاني كل وقت ، أي يأتيني ، والوجهان محتملان ، وعلى قول من يقول : اللّه يأتي ويذهب ، فالإتيان أقرب . / ثم قال تعالى :
[ سورة النجم ( 53 ) : آية 17 ]
ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ( 17 )
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اللام في
الْبَصَرُ
يحتمل وجهين أحدهما : المعروف وهو بصر محمد صلى اللّه عليه وسلم ، أي ما زاغ بصر محمد ، وعلى هذا فعدم الزيغ على وجوه ، إن قلنا الغاشي للسدرة هو الجراد والفراش ، فمعناه لم يتلفت إليه ولم يشتغل به ، ولم يقطع نظره عن المقصود ، وعلى هذا فغشيان الجراد والفراش يكون ابتلاء ، وامتحانا لمحمد صلى اللّه عليه وسلم . وإن قلنا أنوار اللّه ، ففيه وجهان أحدهما : لم يلتفت يمنة ويسرة ، واشتغل بمطالعتها وثانيهما :
ما زاغ البصر بصعقة بخلاف موسى عليه السلام ، فإنه قطع النظر وغشي عليه ، وفي الأول : بيان أدب محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وفي الثاني : بيان قوته الوجه الثاني : في اللام أنه لتعريف الجنس ، أي ما زاغ بصر أصلا في ذلك الموضع لعظمة الهيبة ، فإن قيل لو كان كذلك لقال ما زاغ بصر ، لأنه أدل على العموم ، لأن النكرة في معرض النفي تعم ، نقول هو كقوله
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
[ الأنعام : 103 ] ولم يقل لا يدركه بصر .