تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
بعضهم عند محاولة الفرق : أن الضلال في مقابلة الهدى ، والغي في مقابلة الرشد ، قال تعالى :
وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا
[ الأعراف : 146 ] وقال تعالى :
قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
[ البقرة : 256 ] وتحقيق القول فيه أن الضلال أعم استعمالا في الوضع ، تقول ضل بعيري ورحلي ، ولا تقول غوى ، فالمراد من الضلال أن لا يجد السالك إلى مقصده طريقا أصلا ، والغواية أن لا يكون له طريق إلى المقصد مستقيم يدلك على هذا أنك تقول للمؤمن الذي ليس على طريق السداد إنه سفيه غير رشيد ، ولا تقول إنه ضال ، والضال كالكافر ، والغاوي كالفاسق ، فكأنه تعالى قال :
ما ضَلَّ
أي ما كفر ، ولا أقل من ذلك فما فسق ، ويؤيد ما ذكرنا قوله تعالى :
فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ
[ النساء : 6 ] أو نقول الضلال كالعدم ، والغواية كالوجود الفاسد في الدرجة والمرتبة ، وقوله
صاحِبُكُمْ
فيه ووجهان الأول : سيدكم والآخر : مصاحبكم ، يقال صاحب البيت ورب البيت ، ويحتمل أن يكون المراد من قوله
ما ضَلَّ
أي ما جن ، فإن المجنون ضال ، وعلى هذا فهو كقوله تعالى :
ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ * ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ
[ القلم : 1 - 3 ] فيكون إشارة إلى أنه ما غوى ، بل هو رشيد مرشد دال على اللّه بإرشاد آخر ، كما قال تعالى :
قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ *
[ الشعراء : 109 ] وقال :
إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ *
[ يونس : 72 ] وقوله تعالى :
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
[ القلم : 4 ] إشارة إلى قوله هاهنا
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى
فإن هذا خلق عظيم ، ولنبين الترتيب فنقول : قال أولا
ما ضَلَّ
أي هو على الطريق
وَما غَوى
أي طريقه الذي هو عليه مستقيم
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى
أي هو راكب متنه آخذ سمت المقصود ، وذلك لأن من يسلك طريقا ليصل إلى مقصده فربما يبقى بلا طريق ، وربما يجد إليه طريقا بعيدا فيه متاعب ومهالك ، وربما يجد طريقا واسعا آمنا ولكنه يميل يمنة ويسرة فيبعد عنه المقصد ، ويتأخر عليه الوصول ، فإذا سلك الجادة وركب متنها كان أسرع وصولا ، ويمكن أن يقال
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى
دليل على أنه ما ضل وما غوى ، تقديره : كيف يضل أو يغوى وهو لا ينطق عن الهوى ، وإنما يضل من يتبع الهوى ، ويدل عليه قوله تعالى :
وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
[ ص : 26 ] فإن قيل ما ذكرت من الترتيب الأول على صيغة الماضي في قوله
ما ضَلَّ
وصيغة المستقبل في قوله
وَما يَنْطِقُ
في غاية الحسن ، أي ما ضل حين اعتزلكم وما تعبدون في صغره وما غوى حين / اختلى بنفسه ورأى منامه ما رأى وما ينطق عن الهوى الآن حيث أرسل إليكم وجعل رسولا شاهدا عليكم ، فلم يكن أولا ضالا ولا غاويا ، وصار الآن منقذا من الضلالة ومرشدا وهاديا . وأما على ما ذكرت أن تقديره كيف يضل وهو لا ينطق عن الهوى فلا توافقه الصيغة ؟ نقول بلى ، وبيانه أن اللّه تعالى يصون من يريد إرساله في صغره عن الكفر ، والمعايب القبيحة كالسرقة والزنا واعتياد الكذب ، فقال تعالى : ما ضل في صغره ، لأنه لا ينطق عن الهوى ، وأحسن ما يقال في تفسير الهوى أنها المحبة ، لكن من النفس يقال هويته بمعنى أحببته لكن الحروف التي في هوى تدل على الدنو والنزول والسقوط ومنه الهاوية ، فالنفس إذا كانت دنيئة ، وتركت المعالي وتعلقت بالسفاسف فقد هوت فاختص الهوى بالنفس الأمارة بالسوء ، ولو قلت أهواه بقلبي لزال ما فيه من السفالة ، لكن الاستعمال بعد استبعاد استعمال القرآن حيث لم يستعمل الهوى إلا في المواضع الذي يخالف المحبة ، فإنها مستعملة في موضع المدح ، والذي يدل على ما ذكرنا قوله تعالى :
فَأَمَّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا
إلى قوله
وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى
[ النازعات : 37 - 40 ] إشارة إلى علو مرتبة النفس . ثم قال تعالى :