تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
راكب السفينة فإنه يرى الجبل الساكن متحركا ، فكان لقائل أن يقول السماء تمور في رأي العين بسبب سير الجبال كما يرى القمر سائرا راكب السفينة ، والسماء إذا مارت كذلك فلا يبقى مهرب ولا مفزع لا في السماء ولا في الأرض . المسألة الثالثة : ما السبب في مورها وسيرها ؟ قلنا قدرة اللّه تعالى ، وأما الحكمة فالإيذان والإعلام بأن لا عود إلى الدنيا ، وذلك لأن الأرض والجبال والسماء والنجوم كلها لعمارة الدنيا والانتفاع لبني آدم بها ، فإن لم يتفق لهم عود لم يبق فيها نفع فأعدمها اللّه تعالى . المسألة الرابعة : لو قال قائل كنت وعدت ببحث في الزمان يستفيد العاقل منه فوائد في اللفظ والمعنى وهذا موضعه ، فإن الفعل لا يضاف إليه شيء غير الزمان فيقال يوم يخرج فلان وحين يدخل فلان ، وقال اللّه تعالى :
يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ
[ المائدة : 119 ] وقال :
يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ
وقال :
يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
[ التوبة : 36 ] وكذلك يضاف إلى الجملة فما السبب في ذلك ؟ فنقول الزمان ظرف الأفعال كما أن المكان ظرف الأعيان ، وكما أن جوهرا من الجواهر لا يوجد إلا في مكان ، فكذلك عرض من الأعراض لا يتجدد إلا في زمان ، وفيهما تحير خلق عظيم ، فقالوا إن كان المكان جوهرا فله مكان آخر ويتسلسل الأمر ، وإن كان عرضا فالعرض لا بد له من جوهر ، والجوهر لا بد له من مكان فيدور الأمر أو يتسلسل ، وإن لم يكن جوهرا ولا عرضا ، فالجوهر يكون حاصلا فيما لا وجود له أو فيما لا إشارة إليه ، وليس كذلك ، وقالوا في الزمان إن كان الزمان غير متجدد فيكون كالأمور المستمرة فلا يثبت فيه المضي والاستقبال ، وإن كان متجددا وكل متجدد فهو في زمان ، فللزمان زمان آخر فيتسلسل الأمر ، ثم إن الفلاسفة التزموا التسلسل في الأزمنة ، ووقعوا بسبب هذا في القول بقدم العالم ولم يلتزموا التسلسل في الأمكنة وفرقوا بينهما من غير فارق وقوم التزموا التسلسل فيهما جميعا ، وقالوا بالقدم وأزمان لا نهاية لها وبالامتداد وأبعاد لا نهاية لها ، وهم وإن خالفونا في المسألتين جميعا والفلاسفة وافقونا في إحداهما دون / الأخرى لكنهم سلكوا جادة الوهم ولم يتركوا على أنفسهم سبيل الالتزام في الأزمان ، فإن قيل فالمتجدد الأول قبله ماذا ؟ نقول ليس قبله شيء ، فإن قيل فعدمه قبله أو قبله عدمه ؟ نقول قولنا ليس قبله شيء أعم من قولك قبله عدمه ، لأنا إذا قلنا ليس قبل آدم حيوان بألف رأس ، صدقنا ولا يستلزم ذلك صدق قولنا آدم قبل حيوان بألف رأس أو حيوان بألف رأس بعد آدم ، لانتفاء ذلك الحيوان أولا وآخرا وعدم دخوله في الوجود أزلا وأبدا ، فكذلك ما قلنا ، فإن قيل هذا لا يصح ، لأن اللّه تعالى شيء موجود وهو قبل العالم ، نقول قولنا ليس قبل المتجدد الأول شيء معناه ليس قبله شيء بالزمان ، وأما اللّه تعالى فليس قبله بالزمان إذ كان اللّه ولا زمان ، والزمان وجد مع المتجدد الأول ، فإن قيل فما معنى وجود اللّه قبل كل شيء غيره ؟ نقول معناه كان اللّه ولم يكن شيء غيره لا يقال ما ذكرتم إثبات شيء بشيء ولا يثبت ذلك الشيء إلا بما ترومون إثباته ، فإن بداية الزمان غرضكم وهو مبني على المتجدد الأول والنزاع في المتجدد ، فإن عند الخصم ليس في الوجود متجدد أول بل قبل كل متجدد ، لأنا نقول نحن ما ذكرنا ذلك دليلا ، وإنما ذكرناه بيانا لعدم الإلزام ، وأنه لا يرد علينا شيء إذا قلنا بالحدوث ونهاية الأبعاد واللزوم والإلزام ، فيسلم الكلام الأول ، ثم يلزم ويقول : ألست تقول إن لنا متجددا أولا فكذلك قل له عدم ، فنقول لا بل ليس قبله أمر بالزمان ، فيكون ذلك نفيا عاما ، وإنما يكون ذلك لانتفاء الزمان ، كما ذكرنا في
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 202 | فخر الدين الرازي