فالقادر على تأليف السحاب المتفرق بالرياح الذارية والمرسلة ، قادر على تأليف الأجزاء المتفرقة بطريق من الطرق التي يختارها بمشيئته تعالى .
المسألة الخامسة : في الذاريات أقوال الأول : هي الرياح تذرو التراب وغيره ، كما قال تعالى :
تَذْرُوهُ الرِّياحُ
[ الكهف : 45 ] الثاني : هي الكواكب من ذرا يذرو إذا أسرع الثالث : هي الملائكة الرابع : رب الذاريات ، والأول أصح .
المسألة السادسة : الأمور الأربعة جاز أن تكون أمورا متباينة ، وجاز أن تكون أمرا له أربع اعتبارات والأول : هي ما
روي عن علي عليه السلام ، أن الذاريات هي الرياح والحاملات هي السحاب ، والجاريات هي السفن ، والمقسمات هي الملائكة الذين يقسمون الأرزاق ،
والثاني : وهو الأقرب أن هذه صفات أربع للرياح ، فالذاريات هي الرياح التي تنشئ السحاب أولا ، والحاملات هي الرياح التي تحمل السحب التي هي بخار المياه التي إذا سحت جرت السيول العظيمة ، وهي أوقار أثقل من جبال ، والجاريات هي الرياح التي تجري بالسحب بعد حملها ، والمقسمات هي الرياح التي تفرق الأمطار على الأقطار ، ويحتمل أن يقال هذه أمور أربعة مذكورة في مقابلة أمور أربعة بها تتم الإعادة ، وذلك لأن الأجزاء التي تفرقت بعضها في تخوم الأرضين ، وبعضها في قعور البحور ، وبعضها في جو الهواء ، وهي الأجزاء اللطيفة البخارية التي تنفصل عن الأبدان فقوله تعالى :
وَالذَّارِياتِ
يعني الجامع للذاريات من الأرض على أن الذارية هي التي تذور التراب عن وجه الأرض ، وقوله تعالى :
فَالْحامِلاتِ وِقْراً
هي التي تجمع الأجزاء من الجو وتحمله حملا ، فإن التراب لا ترفعه الرياح حملا ، بل تنقله من موضع ، وترميه في موضع بخلاف السحاب ، فإنه يحمله وينقله في الجو حملا لا يقع منه شيء ، وقوله
فَالْجارِياتِ يُسْراً
إشارة إلى الجامع من الماء ، فإن من يجري السفن الثقيلة من تيار البحار إلى السواحل يقدر على نقل الأجزاء من البحر إلى البر ، فإذا تبين أن الجمع من الأرض ، وجو الهواء ووسط البحار ممكن ، وإذا اجتمع يبقى نفخ الروح لكن الروح من أمر اللّه ، كما قال تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[ الإسراء : 85 ] فقال :
فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً
الملائكة التي تنفخ الروح في الجسد بأمر اللّه ، وإنما ذكرهم بالمقسمات ، لأن الإنسان في الأجزاء الجسمية غير مخالف تخالفا بينا ، فإن لكل أحد رأسا ورجلا ، والناس متقاربة في الأعداد والأقدار ، لكن التفاوت الكثير في / النفوس ، فإن الشريفة والخسيسة بينهما غاية الخلاف ، وتلك القسمة المتفاوتة تتقسم بمقسم مختار ومأمور مختار فقال :
فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً
.
المسألة السابعة : ما هذه المنصوبات من حيث النحو ؟ فنقول أما
ذَرْواً
فلا شك في كونه منصوبا على أنه مصدر ، وأما
وِقْراً
فهو مفعول به ، كما يقال : حمل فلان عدلا ثقيلا ، ويحتمل أن يكون اسما أقيم مقام المصدر ، كما يقال : ضربه سوطا يؤيده قراءة من قرأ بفتح الواو . وأما
يُسْراً
فهو أيضا منصوب على أنه صفة مصدر ، تقديره جريا ذا يسر ، وأما
فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً
فهو إما مفعول به ، كما يقال : فلان قسم الرزق أو المال وإما حال أتى على صورة المصدر ، كما يقال : قتلته صبرا ، أي مصبورا كذلك هاهنا
فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً
أي مأمورة ، فإن قيل : إن كان
وِقْراً
مفعوله به فلم لم يجمع ، وما قيل : والحاملات أوقارا ؟ نقول لأن الحاملات على ما ذكرنا صفة الرياح ، وهي تتوارد على وقر واحد ، فإن ريحا تهب وتسوق السحابة فتسبق السحاب ، فتهب أخرى وتسوقها ، وربما تتحول عنه يمنة ويسرة بسبب اختلاف الرياح ، وكذلك القول في المقسمات أمرا ، إذا