سورة الذاريات
ستون آية مكية بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
[ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 1 إلى 4 ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَالذَّارِياتِ ذَرْواً ( 1 ) فَالْحامِلاتِ وِقْراً ( 2 ) فَالْجارِياتِ يُسْراً ( 3 ) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً ( 4 )
أول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها ، وذلك لأنه تعالى لما بيّن الحشر بدلائله وقال :
ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ
[ ق : 44 ] وقال :
وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ
[ ق : 45 ] أي تجبرهم وتلجئهم إلى الإيمان إشارة إلى إصرارهم على الكفر بعد إقامة البرهان وتلاوة القرآن عليهم لم يبق إلا اليمين فقال :
وَالذَّارِياتِ ذَرْواً
. . .
إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ
وأول هذه السورة وآخرها متناسبان حيث قال في أولها
إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ
[ الذاريات :
5 ] وقال في آخرها
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ
[ الذاريات : 60 ] وفي تفسير الآيات مسائل :
المسألة الأولى : قد ذكرنا الحكمة وهي في القسم من المسائل الشريفة والمطالب العظيمة في سورة والصافات ، ونعيدها هاهنا وفيها وجوه الأول : أن الكفار كانوا في بعض الأوقات يعترفون بكون النبي صلى اللّه عليه وسلم غالبا في إقامة الدليل وكانوا ينسبونه إلى المجادلة وإلى أنه عارف في نفسه بفساد ما يقوله ، وأنه يغلبنا بقوة الجدل لا بصدق المقال ، كما أن بعض الناس إذا أقام عليه الخصم الدليل ولم يبق له حجة ، يقول إنه غلبني لعلمه بطريق الجدل وعجزي عن ذلك ، وهو في نفسه يعلم أن الحق بيدي فلا يبقى للمتكلم المبرهن طريق غير اليمين ، فيقول واللّه إن الأمر كما أقول ، ولا أجادلك بالباطل ، وذلك لأنه لو سلك طريقا آخر من ذكر دليل آخر ، فإذا تم الدليل الآخر يقول الخصم فيه مثل ما قال في الأول إن ذلك تقرير بقوة علم الجدل فلا يبقى إلا السكوت أو التمسك بالإيمان وترك إقامة البرهان الثاني : هو أن العرب كانت تحترز عن الأيمان الكاذبة وتعتقد أنها تدع الديار بلاقع ، ثم إن النبي صلى اللّه عليه وسلم أكثر من الأيمان بكل شريف ولم يزده ذلك إلا رفعة وثباتا ، وكان يحصل لهم العلم بأنه لا يحلف بها كاذبا ، وإلا لأصابه شؤم الإيمان ولناله / المكروه في بعض الأزمان الثالث : وهو أن الأيمان التي حلف اللّه تعالى بها كلها دلائل أخرجها في صورة الأيمان مثاله قول القائل لمنعمه : وحق نعمك