تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
فقال :
وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ
وما قال : ما أنت بهاد ، وكذلك قوله تعالى :
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ
[ الزمر : 36 ] . البحث الثالث : العبيد يحتمل أن يكون المراد منه الكفار ، كما في قوله تعالى :
يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ
[ يس : 30 ] يعني أعذبهم وما أن بظلام لهم ، ويحتمل أن يكون المراد منه المؤمنين ووجهه هو أن اللّه تعالى يقول : لو أبدلت القول ورحمت الكافر ، لكنت في تكليف العباد ظالما لعبادي المؤمنين ، لأني منعتهم من الشهوات لأجل هذا اليوم ، فإن كان ينال من لم يأت بما أتى المؤمن ما يناله المؤمن ، لكان إتيانه بما أتى به من الإيمان والعبادة غير مفيد فائدة ، وهذا معنى قوله تعالى :
لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ
[ الحشر : 20 ] ومعنى قوله تعالى :
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
[ الزمر : 9 ] وقوله تعالى :
لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ
[ النساء : 95 ] ويحتمل أن يكون المراد التعميم . ثم قال تعالى :

[ سورة ق ( 50 ) : آية 30 ]

يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ( 30 ) العامل في
يَوْمَ
ماذا ؟ فيه وجوه الأول : ما أنا بظلام مطلقا والثاني : الوقت ، حيث قال ما أنا يوم كذا ، ولم يقل : ما أنا بظلام في سائر الأزمان ، وقد تقدم بيانه ، فإن قيل فما فائدة التخصيص ؟ نقول النفي الخاص أقرب إلى التصديق من النفي العام لأن المتوهم ذلك ، فإن قاصر النظر يقول : يوم يدخل اللّه عبده الضعيف جهنم يكون ظالما له ، ولا يقول : بأنه يوم خلقه يرزقه ويربيه يكون ظالما ، ويتوهم أنه يظلم عبده بإدخاله النار ، ولا يتوهم أنه يظلم نفسه أو غير عبيده المذكورين ، ويتوهم أنه من يدخل خلقا كثيرا لا يجوزه حد ، ولا يدركه عد النار ، ويتركهم فيها زمانا لا نهاية له كثير الظلم ، فنفى ما يتوهم دون ما لا يتوهم ، وقوله
هَلِ امْتَلَأْتِ
بيان لتصديق قوله تعالى :
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ *
وقوله
هَلْ مِنْ مَزِيدٍ
فيه وجهان أحدهما : أنه لبيان استكثارها الداخلين ، كما أن من يضرب غيره ضربا مبرحا ، أو يشتمه شتما قبيحا فاحشا ، ويقول المضروب : هل بقي شيء آخر ! ، ويدل عليه قوله تعالى :
لَأَمْلَأَنَّ *
لأن الامتلاء لا بد من أن يحصل ، فلا يبقى في جهنم موضع خال حتى تطلب المزيد والثاني : هو أنها تطلب الزيادة ، وحينئذ لو قال قائل فكيف يفهم مع هذا معنى قوله تعالى :
لَأَمْلَأَنَّ *
؟ نقول الجواب : عنه من وجوه أحدها : أن هذا الكلام ربما يقع قبل إدخال الكل ، وفيه لطيفة ، وهي أن جهنم تتغيظ على الكفار فتطلبهم ، ثم يبقى فيها موضع لعصاة المؤمنين ، فتطلب جهنم امتلاءها لظنها بقاء أحد من الكفار خارجا ، فيدخل العاصي من المؤمنين ، فيبرد إيمانه حرارتها ، ويسكن إيقانه غيظها فتسكن ، وعلى هذا يحمل ما ورد في بعض الأخبار ، أن جهنم تطلب الزيادة حتى يضع الجبار قدمه ، والمؤمن جبار متكبر على ما سوى اللّه تعالى ذليل متواضع للّه الثاني : أن تكون جهنم تطلب أولا سعة في نفسها ، ثم مزيدا في الداخلين لظنها بقاء أحد من الكفار الثالث : أن الملء له درجات ، فإن الكيل إذا ملئ من غير كبس صح أن يقال : ملئ وامتلأ ، فإذا كبس يسع غيره ولا ينافي كونه ملآن أو لا ، فكذلك في جهنم ملأها اللّه ثم تطلب زيادة تضييقا للمكان عليهم وزيادة في التعذيب ، والمزيد جاز أن يكون بمعنى المفعول ، أي هل بقي أحد تزيد به . ثم قال تعالى :

[ سورة ق ( 50 ) : آية 31 ]

وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ( 31 )