تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
فيها والذي بمعنى الفاعل لا يثبت فيه التاء ، وتحقيق هذا قوله
بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ
[ سبأ : 15 ] حيث أثبت التاء حيث ظهر بمعنى الفاعل ، ولم يثبت حيث لم يظهر وهذا بحث عزيز . وقوله تعالى :
كَذلِكَ الْخُرُوجُ
أي كالإحياء الخروج فإن قيل الإحياء يشبه به الإخراج لا الخروج فنقول تقديره
أَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً
فتشققت وخرج منها النبات كذلك تشقق ويخرج منها الأموات ، وهذا يؤكد قولنا الرجع بمعنى الرجوع في قوله
ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ
[ ق : 3 ] لأنه تعالى بيّن لهم ما استبعدوه فلو استبعدوا الرجع الذي هو من المتعدي لناسب أن يقول ، كذلك الإخراج ، ولما قال :
كَذلِكَ الْخُرُوجُ
فهم أنهم أنكروا الرجوع فقال :
كَذلِكَ الْخُرُوجُ
نقول فيه معنى لطيف على القول الآخر ، وذلك لأنهم استبعدوا الرجع الذي هو من المتعدي بمعنى الإخراج واللّه تعالى أثبت الخروج وفيهما مبالغة تنبيها على بلاغة القرآن مع أنها مستغنية عن البيان ، ووجهها هو أن الرجع والإخراج كالسبب للرجوع والخروج ، والسبب إذا انتفى ينتفي المسبب جزما ، وإذا وجد قد يتخلف عنه المسبب لمانع تقول كسرته فلم ينكسر وإن كان مجازا والمسبب إذا وجد فقد وجد سببه وإذا انتفى لا ينتفي السبب لما تقدم ، إذا علم هذا فهم أنكروا وجود السبب ونفوه وينتفي المسبب عند انتفائه جزما فبالغوا وأنكروا الأمر جميعا ، لأن نفي السبب نفي المسبب ، فأثبت اللّه الأمرين بالخروج كما نفوا الأمرين جميعا بنفي الإخراج .

[ سورة ق ( 50 ) : الآيات 12 إلى 14 ]

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ ( 12 ) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ ( 13 ) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ( 14 ) ذكر المكذبين تذكيرا لهم بحالهم ووبالهم وأنذرهم بإهلاكهم واستئصالهم ، وتفسيره ظاهر وفيه تسلية للرسول صلى اللّه عليه وسلم وتنبيه بأن حاله كحال من تقدمه من الرسل ، كذبوا وصبروا فأهلك اللّه / مكذبيهم ونصرهم
وَأَصْحابُ الرَّسِّ
فيهم وجوه من المفسرين من قال هم قوم شعيب ومنهم من قال هم الذين جاءهم من أقصى المدينة رجل يسعى وهم قوم عيسى عليه السلام ، ومنهم من قال هم أصحاب الأخدود ، والرس موضع نسبوا إليه أو فعل وهو حفر البئر يقال رس إذا حفر بئرا وقد تقدم في سورة الفرقان ذلك ، وقال هاهنا
إِخْوانُ لُوطٍ
وقال :
قَوْمُ نُوحٍ
لأن لوطا كان مرسلا إلى طائفة من قوم إبراهيم عليه السلام معارف لوط ، ونوح كان مرسلا إلى خلق عظيم ، وقال :
فِرْعَوْنُ
ولم يقل قوم فرعون ، وقال :
وَقَوْمُ تُبَّعٍ
لأن فرعون كان هو المغتر المستخف بقومه المستبد بأمره ، وتبع كان معتمدا بقومه فجعل الاعتبار لفرعون ، ولم يقل إلى قوم فرعون . وقوله تعالى :
كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ
. يحتمل وجهين أحدهما : أن كل واحد كذب رسوله فهم كذبوا الرسل واللام حينئذ لتعريف العهد وثانيهما : وهو الأصح هو أن كل واحد كذب جميع الرسل واللام حينئذ لتعريف الجنس وهو على وجهين أحدهما : أن المكذب للرسول مكذب لكل رسول وثانيهما : وهو الأصح أن المذكورين كانوا منكرين للرسالة والحشر بالكلية ، وقوله
فَحَقَّ وَعِيدِ
أي ما وعد اللّه من نصرة الرسل عليهم وإهلاكهم . ثم قال تعالى :