تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
عجيب ، فإن الأشجار الطوال أثمارها بارزها متميز بعضها من بعض لكل واحد منها أصل يخرج منه كالجوز واللوز وغيرهما والطلع كالسنبلة الواحدة يكون على أصل واحد .

[ سورة ق ( 50 ) : آية 11 ]

رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ ( 11 ) ثم قال تعالى :
رِزْقاً لِلْعِبادِ
وفيه وجهان أحدهما نصب على المصدر لأن الإنبات رزق / فكأنه تعالى قال : أنبتناها إنباتا للعباد ، والثاني نصب على كونه مفعولا له كأنه قال : أنبتناها لرزق العباد ، وهاهنا مسائل : المسألة الأولى : قال في خلق السماء والأرض
تَبْصِرَةً وَذِكْرى
[ ق : 8 ] وفي الثمار قال :
رِزْقاً
والثمار أيضا فيها تبصرة ، وفي السماء والأرض أيضا منفعة غير التبصرة والتذكرة ، فما الحكمة في اختيار الأمرين ؟ نقول فيه وجوه أحدها : أن نقول الاستدلال وقع لوجود أمرين أحدهما الإعادة والثاني البقاء بعد الإعادة فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يخبرهم بحشر وجمع يكون بعد الثواب الدائم والعقاب الدائم ، وأنكروا ذلك ، فأما الأول فاللّه القادر على خلق السماوات والأرض قادر على خلق الخلق بعد الفناء ، وأما الثاني فلأن البقاء في الدنيا بالرزق والقادر على إخراج الأرزاق من النجم والشجر ، قادر على أن يرزق العبد في الجنة ويبقى ، فكأن الأول تبصرة وتذكرة بالخلق ، والثاني تذكرة بالبقاء بالرزق ، ويدل على هذا الفصل بينهما بقوله
تَبْصِرَةً وَذِكْرى
حيث ذكر ذلك بعد الآيتين ، ثم بدأ بذكر الماء وإنزاله وإنباته النبات ثانيها : أن منفعة الثمار الظاهرة هي الرزق فذكرها ومنفعة السماء الظاهرة ليست أمرا عائدا إلى انتفاع العباد لبعدها عن ذهنهم ، حتى أنهم لو توهموا عدم الزرع والثمر لظنوا أن يهلكوا ، ولو توهموا عدم السماء فوقهم لقالوا لا يضرنا ذلك مع أن الأمر بالعكس أولى ، لأن السماء سبب الأرزاق بتقدير اللّه ، وفيها غير ذلك من المنافع ، والثمار وإن لم تكن [ ما ] كان العيش ، كما أنزل اللّه على قوم المن والسلوى وعلى قوم المائدة من السماء فذكر الأظهر للناس في هذا الموضع ثالثها : قوله
رِزْقاً
إشارة إلى كونه منعما لكون تكذيبهم في غاية القبح فإنه يكون إشارة [ للتكذيب ] بالمنعم وهو أقبح ما يكون . المسألة الثانية : قال :
تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ
[ ق : 8 ] فقيد العبد بكونه منيبا وجعل خلقها تبصرة لعباده المخلصين وقال :
رِزْقاً لِلْعِبادِ
مطلقا لأن الرزق حصل لكل أحد ، غير أن المنيب يأكل ذاكرا شاكرا للإنعام ، وغيره يأكل كما تأكل الأنعام فلم يخصص الرزق بقيد . المسألة الثالثة : ذكر في هذه الآية أمور ثلاثة أيضا وهي إنبات الجنات والحب والنخل كما ذكر في السماء والأرض في كل واحدة أمورا ثلاثة ، وقد ثبت أن الأمور الثلاثة في الآيتين المتقدمين متناسبة ، فهل هي كذلك في هذه الآية ؟ نقول قد بينا أن الأمور الثلاثة إشارة إلى الأجناس الثلاثة ، وهي التي يبقى أصلها سنين ، ولا تحتاج إلى عمل عامل والتي لا يبقى أصلها وتحتاج كل سنة إلى عمل عامل ، والتي يجتمع فيها الأمران وليس شيء من الثمار والزروع خارجا عنه أصلا كما أن أمور الأرض منحصرة في ثلاثة : ابتداء وهو المد ، ووسط وهو النبات بالجبال الراسية ، وثالثها هو غاية الكمال وهو الإنبات والتزيين بالزخارف . ثم قال تعالى :
وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً
عطفا على
فَأَنْبَتْنا بِهِ
[ ق : 9 ] وفهي بحثان :
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 130 | فخر الدين الرازي